في عالم تتضارب فيه النصائح الغذائية وتتغير فيه التوصيات كل يوم، يظهر صوت يقدم منظوراً جذرياً وبسيطاً في آن واحد، هو صوت الدكتور ضياء العوضي. بدلاً من إضافة المزيد من الأطعمة “الخارقة” أو المكملات المعقدة، يدعو الدكتور العوضي إلى فلسفة “الحذف” كطريق للشفاء. فكرته الأساسية صادمة في بساطتها: ماذا لو كانت الأمراض التي نعاني منها ليست نتيجة نقص، بل نتيجة وجود أطعمة تؤذينا بصمت؟

هذا التساؤل يكتسب أهمية قصوى عندما ننظر إلى الأرقام. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض غير السارية (مثل السكري وأمراض القلب والسرطان) مسؤولة عن أكثر من 70% من الوفيات على مستوى العالم. وفي منطقتنا العربية، تنتشر أمراض مثل متلازمة القولون العصبي بنسب تصل إلى 20% بين السكان، بينما يعاني الملايين من أمراض المناعة الذاتية وسوء التغذية رغم توفر الطعام. هذا الواقع يجعلنا نتساءل بجدية: هل نأكل طعاماً يغذينا أم طعاماً يستنزفنا؟ يقدم الدكتور ضياء العوضي في نظام “الطيبات” خريطة طريق تعيد تعريف علاقتنا بالغذاء، وتتهم أطعمة شائعة بأنها السبب الخفي وراء معاناتنا.

يبدأ الدكتور ضياء العوضي طرحه بملاحظة محيرة: تكرار نفس الأمراض في نفس المراحل العمرية لدى مختلف الأشخاص، رغم اتباعهم لما يسمى بـ “الوجبة المتكاملة”. يرى أن مفارقات مثل الإصابة بالأنيميا رغم تناول اللحوم، أو هشاشة العظام رغم استهلاك منتجات الألبان، تشير إلى وجود خلل أعمق. من هنا، يضع المتهم الأول في قفص الاتهام: الدقيق الأبيض المكرر. حسب رأي الدكتور ضياء العوضي، المشكلة لا تكمن فقط في كونه من النشويات، بل في كونه “عازلاً” يقف حائلاً بين الطعام وقدرة الأمعاء على امتصاص عناصره الغذائية، مما يؤدي إلى سوء امتصاص شامل.

عندما تعمقت في هذه الفكرة، وجدت أن العلم الحديث بدأ يقدم تفسيرات قوية تدعم ما ذهب إليه الدكتور العوضي. المكون الرئيسي في دقيق القمح هو بروتين الغلوتين، والذي يحتوي على ببتيد يسمى “الغليادين” (Gliadin). أظهرت الأبحاث، وأبرزها أبحاث الدكتور أليسيو فاسانو، أن الغليادين يحفز إفراز بروتين يسمى “الزونولين” (Zonulin) في الأمعاء. وظيفة الزونولين هي تنظيم الفجوات بين خلايا جدار الأمعاء (Tight junctions). عند زيادة إفرازه، تتوسع هذه الفجوات، مما يؤدي إلى حالة تعرف بـ “الأمعاء المتسربة” (Leaky Gut). هذا يسمح لجزيئات الطعام غير المهضومة والبكتيريا بالعبور إلى مجرى الدم، مما يثير استجابة مناعية والتهاباً مزمناً، ويعطل في الوقت ذاته امتصاص العناصر الغذائية الدقيقة. وبهذا، فإن نظرية “العازل” التي طرحها الدكتور العوضي تجد لها سنداً قوياً في آلية عمل الزونولين.

ينتقل الدكتور العوضي بعد ذلك إلى مبدأ أساسي في فلسفته: إذا تسبب طعام ما في مشكلة، فالحل هو إزالته، وليس إضافة طعام آخر أو دواء لإصلاح الضرر. ينتقد المنطق السائد الذي يقترح إضافة الألياف (السلطة) لعلاج الإمساك، أو زيادة اللحوم لعلاج الأنيميا، مما قد يؤدي إلى مشاكل جديدة مثل النقرس. يرى أن هذه الحلقة المفرغة من “الإضافة” هي ما يبقي الناس في دائرة المرض. ويقارن هذا بالوجبات البسيطة لأجدادنا، التي كانت تتكون من كسرة خبز وزيت أو ثمرة فاكهة، مما يدل على أن التعقيد الحالي للمائدة ليس ضرورياً للصحة.

هذه الفكرة تتوافق مع مبدأ “حمية الإقصاء” (Elimination Diet)، وهي أداة تشخيصية معتمدة في الطب الوظيفي وطب الحساسية. تقوم هذه الحمية على إزالة الأطعمة المشتبه في تسببها بالأعراض (مثل الغلوتين، الألبان، الصويا) لفترة، ثم إعادة إدخالها واحداً تلو الآخر لمراقبة رد فعل الجسم. ما يفعله نظام الطيبات هو تطبيق نسخة صارمة وموسعة من هذا المبدأ. فكرة أن “الأقل هو الأكثر” (Less is More) تجد دعماً في دراسات حول النظم الغذائية للمناطق الزرقاء (Blue Zones)، حيث يعيش الناس أعماراً أطول بصحة أفضل. وجباتهم غالباً ما تكون بسيطة، نباتية في معظمها، وتعتمد على مكونات طبيعية كاملة، بعيداً عن التعقيد والتصنيع الذي يميز المائدة الحديثة.

يضيف الدكتور ضياء العوضي إلى قائمة الممنوعات عنصراً آخر لا يقل خطورة عن الدقيق: المشروبات الغازية (الصودا)، سواء كانت بسكر أو بدونه. يوضح أن ضررها يتجاوز محتواها من السكر. عند دخولها إلى المعدة، فإنها تعادل حمض الهيدروكلوريك (HCl) الضروري لهضم البروتين وقتل البكتيريا الضارة القادمة مع الطعام. هذا التعطيل المزدوج يترك الباب مفتوحاً للعدوى ومشاكل الهضم. بالإضافة إلى ذلك، يسبب امتصاصها حموضة في الدم، مما يجبر الجسم على العمل لساعات للتخلص من هذا العبء، معطلاً في هذه الأثناء قدرته على التخلص من سمومه الطبيعية.

ما يقوله الدكتور العوضي دقيق علمياً. حمض المعدة له درجة حموضة (pH) تتراوح بين 1.5 و 3.5، وهي بيئة شديدة الحمضية. المشروبات الغازية، بسبب احتوائها على حمض الكربونيك وحمض الفوسفوريك، لها درجة حموضة قلوية نسبياً (حوالي 2.5-4.2، لكن قدرتها على المعادلة عالية). شربها مع الوجبات يمكن أن يرفع درجة حموضة المعدة مؤقتاً، مما يضعف نشاط إنزيم “البيبسين” (Pepsin) المسؤول عن تكسير البروتينات. دراسة منشورة في “Journal of the American Dietetic Association” أشارت إلى أن حمض الفوسفوريك الموجود بكثرة في الكولا يرتبط بانخفاض كثافة العظام، لأنه قد يجبر الجسم على سحب الكالسيوم من العظام لمعادلة الحموضة في الدم. هذا يدعم بقوة فكرة الدكتور العوضي بأن ضرر الصودا يتجاوز مجرد السعرات الحرارية.

بعد ذلك، يتحدى الدكتور العوضي فكرة مقدسة في عالم التغذية: الألياف. يفرق بين أنواع الألياف، ويحذر تحديداً من “الألياف الطويلة” غير القابلة للهضم الموجودة في الخضروات الورقية (مثل الجرجير والخص) وبعض أنواع اللحوم (مثل صدر الدجاج). يرى أن هذه الألياف، التي لا يمكن للأسنان تقطيعها بالكامل، تنزل إلى الأمعاء كقطع صلبة قد “تجرح” أو تهيج جدار الجهاز الهضمي. كما يضع في نفس الفئة الأطعمة “البلاستيكية” على حد وصفه، مثل الجمبري والحبار (السبيط)، التي تظل صلبة حتى بعد الطهي، معتبراً أن ما لا يستوي في القدر لن يستوي في المعدة.

هنا، يقدم الدكتور العوضي رؤية مثيرة للجدل، لكنها تجد صدى لدى فئة معينة من المرضى. يميز العلم بين الألياف القابلة للذوبان (Soluble) وغير القابلة للذوبان (Insoluble). الألياف غير القابلة للذوبان، الموجودة بكثرة في الخضروات الورقية وقشور الحبوب، لا تذوب في الماء وتزيد من حجم البراز. في حين أن هذا مفيد للكثيرين، إلا أن الأبحاث حول متلازمة القولون العصبي (IBS) أظهرت أن زيادة هذه الألياف قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض مثل الانتفاخ والغازات والألم لدى بعض الأفراد. حمية “FODMAP” المنخفضة، وهي نهج علاجي معتمد لمرضى القولون العصبي، توصي بالحد من بعض الخضروات الغنية بالألياف. فكرة الدكتور العوضي بأن هذه الألياف قد تكون “جارحة” يمكن تفسيرها بأنها مادة ميكانيكية تسبب تهيجاً للبطانة الحساسة للأمعاء الملتهبة أصلاً.

في المقابل، يعيد الدكتور ضياء العوضي الاعتبار للدهون، التي طالما اتُهمت بأنها سبب السمنة وأمراض القلب. يصف الدهون بأنها “غذاء الحياة” ويعتبرها مكوناً أساسياً لا يمكن إغفاله. حسب فلسفة الطيبات، تعمل الدهون كـ “ملين” (Lubricant) للطعام، تماماً مثل مسحوق الغسيل الذي يمنع تشابك الملابس. يوصي بشدة بالدهون الطبيعية مثل القشطة، الزبدة، السمن، وعلى رأسها زيت الزيتون، الذي يصفه بأنه أنظف زيت على الإطلاق. ويدحض فكرة أن الدهون تسبب الكبد الدهني، مستشهداً بحالات المجاعات حيث يعاني الناس من تضخم الكبد رغم عدم تناولهم للدهون.

وجهة نظر الدكتور العوضي تتماشى مع التحول الكبير الذي حدث في علم التغذية خلال العقد الماضي. لقد تم التراجع عن شيطنة الدهون المشبعة، وأظهرت العديد من الدراسات أن المشكلة الحقيقية تكمن في السكريات المكررة والزيوت النباتية المصنعة (المهدرجة جزئياً). الدهون الطبيعية ضرورية لامتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون (A, D, E, K) وبناء أغشية الخلايا والهرمونات. أما بالنسبة لزيت الزيتون البكر الممتاز، فقد أثبتت الأبحاث أنه كنز صحي. يحتوي على مركب يسمى “الأوليوكانثال” (Oleocanthal)، وهو مضاد للالتهابات يعمل بآلية مشابهة لدواء الإيبوبروفين. هذا يدعم بقوة توصية الدكتور العوضي به كعنصر أساسي في النظام الغذائي.

يقدم الدكتور ضياء العوضي قائمة واضحة للممنوعات والمسموحات في نظام الطيبات. تشمل الممنوعات: جميع أنواع الدقيق المكرر ومشتقاته (خبز، معجنات)، المشروبات الغازية، الخضروات النيئة والمطبوخة (خاصة الورقيات والبقوليات)، البيض، ومنتجات الألبان بجميع أشكالها (لبن، جبن، زبادي). أما المسموحات، فتشمل: الحبوب الكاملة (قمح كامل، أرز، ذرة)، الدهون الصحية، أنواع معينة من الجبن المطبوخ، الفواكه (خاصة العنب والتين والموز والتمر)، السكر الطبيعي والعسل، وأنواع محددة من اللحوم مرتبة حسب سهولة هضمها (الضأن أولاً، ثم الطيور الصغيرة، فالأسماك، وأخيراً اللحوم البقرية الطرية).

قرار منع منتجات الألبان بشكل كامل هو أحد أركان نظام الطيبات، ويجد دعماً في الأبحاث المتعلقة ببروتين الكازين (Casein). هناك نوعان رئيسيان من الكازين: A1 و A2. معظم الأبقار التجارية اليوم تنتج حليباً يحتوي على كازين A1، والذي يتحلل في الأمعاء لينتج ببتيد يسمى “بيتا-كازومورفين-7” (BCM-7). ربطت بعض الدراسات (وإن كانت لا تزال قيد البحث) هذا الببتيد بزيادة الالتهاب ومشاكل الجهاز الهضمي لدى الأشخاص الحساسين. في المقابل، حليب الماعز والأغنام وبعض سلالات الأبقار القديمة يحتوي على كازين A2، الذي لا ينتج هذا الببتيد. قرار الدكتور العوضي بمنع جميع منتجات الألبان قد يكون إجراءً احترازياً شاملاً لتجنب الآثار الالتهابية المحتملة لكازين A1 على جهاز هضمي متهيج.

أخيراً، يشدد الدكتور العوضي على أهمية الاستماع للجسم واتباع إشاراته الطبيعية. مبدأه هو “جعان كل، عطشان اشرب”. يرفض فكرة الأكل حسب المواعيد أو شرب كميات محددة من الماء قسراً. كما يولي أهمية كبرى لفترات الانقطاع عن الطعام (الصيام)، معتبراً إياها فرصة للجسم لإصلاح نفسه وتجديد خلاياه. ويرى أن فقدان الشهية أثناء المرض هو آلية دفاعية طبيعية من الجهاز المناعي، ويجب احترامها وعدم إجبار المريض على الأكل.

هذا المبدأ هو جوهر الحكمة الجسدية (Body Wisdom) ويتوافق تماماً مع العلم الحديث حول الصيام المتقطع. عندما نمتنع عن الطعام لساعات، يتحول الجسم من حرق الجلوكوز إلى حرق الدهون، وتدخل الخلايا في عملية تسمى “الالتهام الذاتي” (Autophagy). خلال هذه العملية، تقوم الخلية بتنظيف نفسها، وتتخلص من البروتينات التالفة والمكونات القديمة، وتعيد تدويرها. فاز العالم الياباني يوشينوري أوسومي بجائزة نوبل في الطب عام 2016 لاكتشافاته حول آليات الالتهام الذاتي. هذا يؤكد أن الصيام ليس مجرد ممارسة روحانية، بل هو عملية بيولوجية قوية لتجديد شباب الجسم على المستوى الخلوي، مما يدعم بقوة دعوة الدكتور العوضي لاحترام فترات الجوع.

في الختام، يقدم نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي ثورة هادئة في التفكير الغذائي. إنه ليس مجرد حمية، بل هو دعوة لإعادة بناء علاقتنا مع طعامنا وأجسادنا. من خلال التركيز على إزالة المهيجات المحتملة بدلاً من إضافة المكملات، يمنحنا النظام أداة قوية لاستعادة السيطرة على صحتنا. قد تبدو قواعده صارمة للوهلة الأولى، لكنها مبنية على منطق بسيط: الجسم السليم لا يشتكي. إن دعم العلم الحديث للعديد من مبادئه الأساسية - من تأثير الغلوتين على نفاذية الأمعاء، إلى فوائد الصيام والدهون الصحية - يجعل من هذا النظام أكثر من مجرد نظرية، بل مساراً واعداً يستحق الاستكشاف لكل من يبحث عن الشفاء الحقيقي.