في عالم العناية المركزة، حيث تتراقص الحياة على حافة الموت، تتكشف حقائق لا تُدرّس في كليات الطب. هذه البيئة القاسية هي التي شكّلت نقطة تحول جذرية في حياة الدكتور ضياء العوضي، كما يروي في تجربته الشخصية، وهي الرحلة التي قادته في النهاية إلى تأسيس نظام الطيبات.
تعتبر وحدات العناية المركزة (ICUs) من أكثر البيئات تطلبًا في النظام الصحي. وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة كبيرة من العاملين في هذا المجال يعانون من مستويات عالية من الإجهاد والاحتراق النفسي، مما يؤثر ليس فقط على صحتهم العقلية، بل على جودة الرعاية المقدمة للمرضى.
من الطب السريع إلى عمق المعاناة
يبدأ الدكتور ضياء العوضي حديثه بالكشف عن الدوافع التي قادته لاختيار تخصص العناية المركزة والتخدير. يعترف بصراحة أن الدافع الأساسي كان “الكسب السريع”، حيث كان شابًا مقبلاً على الزواج، وبدا له أن هذا التخصص يوفر طريقًا مختصرًا للاستقرار المادي.
هذا الاعتراف الصريح يكشف حجم الضغوط التي يتعرض لها الأطباء الشباب. الاختيار لا يتعلق فقط بالميول العلمية، بل يتشابك مع عوامل اجتماعية واقتصادية معقدة. هذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل يبدأ الاحتراق النفسي للطبيب من اللحظة التي يختار فيها مسارًا لا يعكس شغفه الحقيقي؟
التبلد العاطفي في مواجهة الموت اليومي
ينتقل الدكتور ضياء العوضي لوصف التحول النفسي الذي أحدثته فيه تجربة العناية المركزة. يروي ذكرى أول حالة وفاة شهدها وكيف انهار باكيًا. لكنه يقارن هذه الحالة الأولية بحالته لاحقًا كطبيب مقيم، حيث أصبح الموت حدثًا يوميًا متكررًا، لدرجة أنه كان يحتفظ بـ”سجل” لعدد الحالات التي “شيعها” في نوبته.
ما يصفه الدكتور ضياء العوضي هنا هو ظاهرة نفسية معروفة تسمى “إرهاق التعاطف” (Compassion Fatigue). إنها آلية دفاعية نفسية يلجأ إليها العقل لحماية نفسه من الصدمات المتكررة. إنها ليست قسوة قلب بقدر ما هي استنزاف لمخزون التعاطف، وهي تجربة كانت أساسية في تشكيل نظرته المستقبلية للطب.
“ما فائدة العلم إن لم يحميني؟”
في خضم هذا السيل من المآسي اليومية، بدأت التساؤلات الوجودية تفرض نفسها على الدكتور ضياء العوضي. لم يعد السؤال “ماذا يحدث؟” بل “لماذا يحدث كل هذا؟”. بدأ يشعر بأن المعرفة الطبية التي اكتسبها لا تمنحه أي حماية شخصية. يقول بمرارة: “ما فائدة العلم الذي أدرسه إن لم أكن أستطيع أن أحمي به نفسي؟”. هذا الشعور تفاقم عندما رأى أساتذته الكبار في الطب ينتهي بهم المطاف على أسرة العناية المركزة، يواجهون نفس المصير.
هذه الأزمة الوجودية هي نقطة التحول الحاسمة في رحلة الدكتور ضياء العوضي. لقد وصل إلى لحظة أدرك فيها محدودية العلم والطب التقليدي. إن رؤية الأبطال والأساتذة يسقطون أمام نفس الأمراض التي يحاربونها هو تجربة تهز أركان الإيمان بالمهنة، وتدفعه للبحث عن بديل.
ولادة فكرة نظام الطيبات
يصل الإحباط بـالدكتور ضياء العوضي إلى ذروته في حوار يكشف عن عمق اليأس الذي وصل إليه. يروي أنه كان يقول لصديقه: ما دمنا سنموت جميعًا بنفس الأمراض التي نعالجها، فلماذا نتبع النصائح التي نقدمها؟ كان يرى أن النهاية واحدة، وأن محاولة تجنبها هي مجرد تأجيل لمصير محتوم.
هذا المنطق العدمي، رغم تطرفه، يعبر عن حالة من “الاستسلام المتعلم” (Learned Helplessness). هذا الشعور بالعجز هو الذي دفعه للبحث عن نموذج مختلف تمامًا للصحة والمرض، نموذج لا يركز فقط على علاج الأعراض، بل على الوقاية من جذور المرض. من رحم هذه المعاناة والأزمة الفكرية، وُلدت البذور الأولى لفلسفة نظام الطيبات.
في نهاية حديثه، يذكر الدكتور ضياء العوضي ملاحظة مهمة حول تطور الطب. يتذكر بداية استخدام أدوية كانت تعتبر ثورية آنذاك، مثل مثبطات مضخة البروتون (PPIs) لعلاج الحموضة، والتي أصبحت اليوم تُصرف بكثرة.
هذه الملاحظة تظهر كيف أن الطب الحديث، في سعيه لتقديم حلول سريعة للأعراض، قد يخلق أحيانًا مشاكل جديدة على المدى الطويل. هذا الإدراك هو ما دفع الدكتور ضياء العوضي للبحث عن نهج نظام الطيبات الشمولي، الذي يركز على فهم أسباب الأمراض بدلاً من مجرد قمع أعراضها بأدوية قد تكون لها آثار جانبية مدمرة.