بداية القصة: فرجينيا في قصر الرعب
في أحد المنتجعات المشمسة في فلوريدا، كانت شابة شقراء تُدعى فرجينيا روبرت، تبلغ من العمر 16 عامًا، تكافح من أجل لقمة العيش. في يوم من الأيام، اقتربت منها سيدة إنجليزية وعرضت عليها وظيفة مغرية كمدلكة في قصر فاخر. دفعتها حالتها المادية السيئة إلى قبول العرض دون تردد.
عندما وطأت قدماها القصر، انبهرت بما رأت. مقتنيات فخمة تزين المكان، وصور لشخصيات بارزة من سياسيين وفنانين وأطباء، وجوه كانت تبدو وكأنها تدير العالم. في غرفة التدليك، لاحظت رفوفًا مليئة بزيوت المساج ورجلًا مستلقيًا على الطاولة ووجهه للأسفل. بناءً على طلب السيدة الإنجليزية، بدأت فرجينيا بتدليك الرجل دون أن ترى وجهه. بدأ الرجل يسألها عن حياتها ومدرستها، فانفتحت فرجينيا وبدأت تشكو له من فقرها وتشرّدها.
فجأة، رفع الرجل رأسه. كان هو جيفري إبستين، وبرفقته صديقته جيسلين ماكسويل. بعد انتهاء جلسة التدليك، طلب إبستين منها ممارسة الجنس معه. شعرت فرجينيا بأنها محاصرة ومجبرة وخائفة، لكن ما حدث قد حدث.
منذ تلك اللحظة، تحولت حياة فرجينيا إلى كابوس. صار إبستين يقدّمها لضيوفه المهمين، من رؤساء دول وأصحاب سمو. في مقابلة لاحقة، روت فرجينيا كيف تم استعبادها جنسيًا. وعندما سألتها المذيعة عن سبب فعل إبستين لذلك، أجابت: “أعتقد أنه كان يستخدمنا لابتزاز ضيوفه، ليتأكد من أنه يمسك عليهم شيئًا”.
لم تكن فرجينيا الضحية الوحيدة، بل كانت مجرد واحدة من عشرات الفتيات اللواتي وقعن في شبكة إبستين. للأسف، انتهت حياة فرجينيا بشكل مأساوي، حيث انتحرت بعد سنوات من المعاناة.
في هذا المقال، سنغوص في عالم جيفري إبستين المظلم، ونجيب على الأسئلة التي تدور في أذهانكم: من هو؟ ولماذا كانت العلاقة به مرعبة؟ والأهم من ذلك، سنتحدث عن الصورة الخاصة التي عُثر عليها في غرفة نومه، والتي تعود لمحمد بن سلمان.
إمبراطورية إبستين: من مدرس رياضيات إلى ملياردير غامض
وُلد جيفري إبستين عام 1953 لعائلة يهودية. كان يتمتع بذكاء حاد في الرياضيات، وقام بتدريسها للطلاب على الرغم من عدم امتلاكه أي مؤهلات أكاديمية. تقرّب من أحد أولياء أمور طلابه، الذي عينه في شركته بعد فصله من المدرسة بسبب سلوكه غير اللائق وتقربه من القاصرات.
انتقل بعدها للعمل في قطاع البنوك والاستشارات المالية، وهناك لمع نجمه ودخل عالم الثراء الفاحش. بنى إبستين إمبراطورية عقارية ضخمة تمتد من نيويورك وكاليفورنيا إلى باريس ونيو مكسيكو. لكن أهم ممتلكاته كانت جزيرة “ليتل سانت جيمس” في الكاريبي.
جزيرة الملذات المحرمة والابتزاز
في هذه الجزيرة، بنى إبستين قصرًا ضخمًا وأحاطه بأشجار النخيل الكثيفة، كأنه يتعمد إخفاء ما يحدث بالداخل عن أعين المتطفلين. كان جميع الموظفين موقّعين على اتفاقيات سرية تامة، ولم تتمكن الشرطة من تفتيش الجزيرة إلا بعد وفاته لأنها ملكية خاصة. كانت الجزيرة معزولة، لا يمكن الوصول إليها إلا عبر قارب أو مروحية، وهي نفس الطريقة التي كان يتم بها نقل الأطفال والقاصرات إليها، ولنفس السبب، لم يتمكنوا من الهرب.
كانت ضيافة إبستين لضيوفه من الأثرياء والمشاهير والسياسيين مميزة وخاصة جدًا. كانت الضيافة عبارة عن فتيات قاصرات لإشباع شهواتهم المنحرفة. في هذه الجزيرة التي أُطلق عليها “جزيرة البيدوفيليا”، غرق الضيوف في ملذاتهم المحرمة، معتقدين أن أسرارهم في بئر عميق.
لكن المتعة لم تدم. فقد كانت كل لحظة في تلك الجزيرة مسجلة بكاميرات ومايكروفونات خفية. وعندما انكشف المستور، تسربت قائمة بأسماء بعض الزوار، ومنهم:
- الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب
- الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون
- رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك
- الأمير أندرو، ابن الملكة إليزابيث
- نجم البوب مايكل جاكسون
- عالم الفيزياء ستيفن هوكينج
صورة في غرفة النوم: علاقة إبستين بمحمد بن سلمان
مؤخرًا، ظهرت صورة صادمة أخرى، صورة كانت معلقة في غرفة نوم إبستين الخاصة في شقته الفاخرة في مانهاتن. هذه الصورة كانت تجمع إبستين بولي العهد السعودي محمد بن سلمان. الخبر الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أشار إلى مدى عمق العلاقة بين الرجلين.
إبستين نفسه ذكر في مقابلة مع الصحيفة أنه صديق مقرب من محمد بن سلمان، وأنهما تبادلا الزيارات والمحادثات عدة مرات.
هل كان إبستين عميلاً للموساد؟
تزداد القصة تعقيدًا مع شهادة ستيفن هوفنبيرج، الشريك التجاري السابق لإبستين، الذي أكد أن جيفري كان عميلاً للموساد الإسرائيلي، وأن هذا هو السبب الذي مكنه من الإفلات من العقاب لسنوات طويلة.
تدعم هذه النظرية شهادة فنانة عملت في قصر إبستين، حيث قالت إنها رأت غرفة مليئة بالموظفين الذين كانت مهمتهم الوحيدة هي مراقبة الشاشات التي تعرض لقطات من كاميرات منتشرة في كل زاوية من المنزل، بما في ذلك غرف النوم ودورات المياه، لتسجيل اللحظات الخاصة للزوار.
كان إبستين يصطاد ضحاياه من الشخصيات النافذة، ويقدم لهم الفتيات القاصرات، ثم يحتفظ بتسجيلات لهذه اللحظات لابتزازهم لاحقًا. أكدت وزارة العدل الأمريكية أنه كان يحتفظ بأقراص مدمجة في خزنة قصره، عليها ملصقات مكتوب عليها بخط اليد أسماء الفتيات والضيوف.
نهاية غامضة في زنزانة السجن
في عام 2005، رفعت عائلة فتاة تبلغ من العمر 14 عامًا دعوى قضائية ضد إبستين بتهمة الاعتداء على ابنتهم. بعد محاكمات استمرت حتى عام 2008، عقد صفقة مخففة اعترف فيها بتحريض الفتاة على الدعارة، وحُكم عليه بالسجن 18 شهرًا، قضى منها 13 شهرًا فقط في ظروف مريحة للغاية.
استمرت الفضائح في الظهور، ومع تزايد الضغط الشعبي وتحقيقات صحيفة “ميامي هيرالد”، أعادت الشرطة فتح التحقيق. في عام 2019، تم اعتقاله بتهم إدارة شبكة دعارة والاتجار بالقاصرات. ولكن بعد شهر واحد فقط، وُجد ميتًا في زنزانته.
الرواية الرسمية تقول إنه انتحر، لكن الكثيرين يشككون في ذلك. كيف يمكن لسجين بهذه الأهمية أن ينتحر بهذه السهولة؟ رفيقه في الزنزانة نُقل فجأة، الحراس غفلوا، وكاميرات المراقبة تعطلت “بالصدفة”. كل هذه الملابسات تشير إلى أن ما حدث كان جريمة قتل مدبرة لدفن أسراره معه، وليس انتحارًا.
الذباب الإلكتروني في مهمة مستحيلة
عندما انتشرت صورة محمد بن سلمان مع إبستين، استنفر “الذباب الإلكتروني” للدفاع عنه. تجاهلوا مقالات الصحف والأدلة، وادعوا أن الصورة “فوتوشوب” أو من صنع “الذكاء الاصطناعي”. المثير للسخرية أن هذا الادعاء جاء بعد أسابيع قليلة من توجيه وزير الشؤون الإسلامية السعودي لخطباء الجمعة بالتحذير من استخدام الذكاء الاصطناعي في “الكذب والبهتان”، وكأنهم كانوا يعلمون أن فضيحة ما على وشك الظهور.
ما وراء الصورة: سلوكيات متشابهة؟
الواقع يقول إن الصورة ليست مستغربة. فسلوكيات محمد بن سلمان وسياساته، خاصة في مجال الترفيه بقيادة تركي آل الشيخ، تبدو وكأنها ترجمة لأفكار إبستين. حفلات “موسم الرياض” و “ميدل بيست” شهدت وقائع تحرش واستهداف للقاصرات، وتعاطي للمخدرات، وكل ذلك تحت رعاية الدولة.
تزداد الشكوك عند النظر إلى علاقة محمد بن سلمان بشخص آخر، هو جورج نادر، المستشار السابق لمحمد بن زايد، الذي حُكم عليه بالسجن 10 سنوات بتهمة جلب قاصر إلى أمريكا لممارسة الجنس معه. لماذا يحيط محمد بن سلمان نفسه بمثل هؤلاء الأشخاص؟
جواز سفر سعودي وأسئلة بلا إجابات
عندما فتش مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) خزنة إبستين، لم يجدوا فقط آلاف الصور والمجوهرات، بل عثروا أيضًا على جواز سفر سعودي منتهي الصلاحية صادر في الثمانينيات، يحمل صورة إبستين واسمًا مختلفًا وعنوان إقامة في المملكة العربية السعودية. هذا يشير إلى علاقات قديمة وعميقة مع المملكة، ويفسر ظهور اسم الملك سلمان (عندما كان أميرًا للرياض) والأمير بندر بن سلطان في دفتر عناوين إبستين.
يبدو أن إبستين، العميل المزعوم للموساد، نجح في استدراج الجميع، من الرؤساء الأمريكيين إلى المشاهير، وحتى ولي العهد السعودي، وأوقع بهم في مصيدة الجنس والابتزاز.
على الرغم من أن جيفري إبستين قد مات، إلا أن الإرث الذي تركه سيظل كابوسًا يطارد كل من تورط معه. ففي أي لحظة، قد تُرفع الحجب عن الأسرار، وينكشف المستور للعالم. والسؤال الذي يطرح نفسه في الختام: هل يمكن لشخصيات تحوم حولها مثل هذه الشبهات أن تكون مؤتمنة على إدارة شؤون دولة بأكملها؟