“القطعة السوداء تم لمسها من قبل ما لا يقل عن 10 ملايين مسلم من مختلف المذاهب، السنة والشيعة وغيرهم. يمشون حول الكعبة سبع مرات، ثم يحاول كل شخص قدر استطاعته لمسها، وهم يحملون دعواتهم وأمانيهم ودموعهم وآمالهم على هذه القطعة، على أمل أن تستجاب كل دعواتهم بعد ذلك.”
هذا المقطع هو جزء من رسالة أُرسلت إلى جفري إبستين، المتهم باغتصاب قاصرات والاتجار الجنسي، تخبره فيها مستشارة عربية أنها أهدته قطعة من كسوة الكعبة. لكن الكارثة لا تكمن هنا فحسب، بل تتفاقم عند رؤية صورة تجمع شخصية عربية رفيعة المستوى، مثل سلطان أحمد بن سليم، وهو يقف في مطبخ إلى جانب جفري إبستين، في مشهد يعكس وداً وألفة تتجاوز علاقات العمل الرسمية.
الحقائق القادمة أثقل، والأسماء العربية التي سترد في هذا المقال هي من العيار الثقيل. إذا كنت ترغب في معرفة الشخصيات العربية التي وردت أسماؤها في ملفات قضية الاتجار الجنسي الأكبر، المعروفة بقضية إبستين أو “جزيرة المتعة”، فتابع القراءة.
الكشف عن الملفات: بداية القصة
في خطوة غير مسبوقة، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الوثائق المتعلقة بجفري إبستين، كاشفة عن شبكة واسعة من العلاقات والمراسلات مع شخصيات بارزة حول العالم. بدأت القصة تتكشف في عام 2008، عندما أدانت محكمة في فلوريدا إبستين رسميًا بتهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 13 شهرًا فقط.
لكن الملف لم يُغلق. بعد أكثر من عقد من الزمان، عاد اسم إبستين إلى الواجهة بتهم فيدرالية أشد خطورة تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرات. كشفت التحقيقات عن اعتدائه على عشرات الفتيات القاصرات بين عامي 2002 و2005 في ممتلكاته بنيويورك وبالم بيتش. وفي عام 2019، أُلقي القبض عليه أخيرًا واحتُجز في مركز الإصلاحيات الفيدرالي في نيويورك بانتظار محاكمته. لكن في 10 أغسطس 2019، وُجد ميتًا في زنزانته، في خبر نزل كالصاعقة على الجميع.
في قلب البحر الكاريبي، على جزيرة صغيرة اشتهرت باسم “جزيرة إبستين”، كانت تُرتكب جرائم بشعة، من التعدي على القاصرات واغتصابهن وتعنيفهن. وقد تورطت في هذه القضية أسماء كبيرة، وموضوعنا اليوم يركز على الشخصيات العربية التي ظهرت في هذه الملفات.
سلطان أحمد بن سليم: علاقة تتجاوز الأعمال
أول الأسماء العربية التي برزت في الملفات الجديدة كان سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجموعة موانئ دبي العالمية (DP World). تشير الأدلة إلى أنه كان صديقًا مقربًا لإبستين، حيث انتشرت صور لهما معًا في أجواء ودية، مما يوحي بأن العلاقة بينهما كانت أعمق من مجرد عمل.
تم الكشف عن رسالة بتاريخ 2011 من الملياردير الإماراتي سلطان أحمد بن سليم، المقرب من الشيخ محمد بن زايد، موجهة إلى إبستين، يعرض عليه فيها توفير أحذية مدمج بها نظام تحديد المواقع (GPS) لتتبع الأطفال والعملاء. وكان رد إبستين: “فكرة رائعة”.
وفي رسالة أخرى عام 2010، أبلغ بن سليم إبستين بأنه أرسل له مجموعة من المرفقات المصورة لعملية إسرائيلية في دبي، دون توضيح طبيعة العملية. ترجح المصادر أنها تتعلق باغتيال القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح.
من هو سلطان أحمد بن سليم؟ يعتبر سلطان أحمد بن سليم رجل أعمال إماراتي بارز وأحد الشخصيات الرئيسية التي ساهمت في تشكيل ملامح دبي الحديثة. يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية، ورئيس مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة. تمتد مسيرته المهنية لأكثر من 40 عامًا، قاد خلالها مشاريع توسع ضخمة للبنية التحتية في دبي، بما في ذلك صفقة شراء مجموعة “بي آند أو” بقيمة 6.8 مليار دولار في عام 2006، مما جعل “دي بي ورلد” واحدة من أكبر مشغلي الموانئ في العالم.
ولي العهد السعودي: صورة ورسالة
الأمر الصادم هو ظهور اسم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الوثائق. ورد اسمه في رسالة بريد إلكتروني بتاريخ 1 نوفمبر 2016، مرسلة من ليزلي جراف إلى جفري إبستين، موضوعها “عزيزة نجاة في القنصلية السعودية”. جاء في نص الرسالة ما يلي:
“تقترح عزيزة الذهاب إلى القنصلية السعودية اليوم ومعك جواز سفرك لطلب التحدث مع نجاة بخصوص تأشيرتك. وتقول إنه عند وصولنا إلى البوابة، يجب إبلاغهم بأنك جيفري إبستين ولديك دعوة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ومعالي رأفت الصباغ لزيارة بلادهم. وأنه من الضروري التحدث مع نجاة بشأن التأشيرة، لأنه ترك رسالة صوتية تفيد بحاجته للتحدث معك بهذا الخصوص. وتضيف عزيزة أنه في حال واجهت أي مشكلة، يمكنك الاتصال بها على هاتفها المحمول لتتحدث معهم باللغة العربية، لكنها لا تعتقد بوقوع أي مشكلة.”
توضح هذه الرسالة وجود تواصل مباشر مع إبستين عبر القنصلية السعودية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يُذكر فيها اسم ولي العهد السعودي في القضية. فقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” سابقًا عن وجود صورة لمحمد بن سلمان معروضة داخل قصر إبستين في نيويورك، ليس في ألبوم خاص، بل على حائط وسط عالم مظلم لرجل مدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال.
لم يكن محمد بن سلمان الاسم الكبير الوحيد الذي عُلقت صورته في قصر إبستين. فقد ضمت الجدران صورًا لدونالد ترامب، بيل كلينتون، البابا يوحنا بولس الثاني، إيلون ماسك، سلطان أحمد بن سليم، والشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء القطري السابق.
شبكة من العلاقات المعقدة
ظهرت أسماء عربية أخرى في الملفات، مؤكدة على عمق شبكة علاقات إبستين:
-
شاهر عبد الحق: الملياردير اليمني الراحل المعروف بـ”ملك السكر”. أكدت الملفات الجديدة متانة العلاقة بينه وبين إبستين، حيث كشفت الوثائق عن أكثر من 500 رسالة بريد إلكتروني متبادلة بينهما على مر السنين، بالإضافة إلى صور تجمعهما.
-
عزيزة الأحمدي: قيل إنها مستشارة من الخليج العربي. ورد اسمها في رسائل إبستين، إحداها تخبره فيها بأنها أهدته قطعة من كسوة الكعبة. وفي رسالة أخرى، تلقت عزيزة رسالة من مساعد إبستين تقول: “أمازون سلمت مجموعة اختبار الحمض النووي”، مما يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة هذه العلاقة.
-
جبر بن يوسف الثاني: ضابط سابق في وزارة الداخلية القطرية ورئيس سابق لوكالة الأنباء القطرية. ظهر مع إبستين في صور مسربة فضحت مدى قربه من أثرياء وحكام العالم.
خاتمة: شبكات السيطرة الخفية
تكشف هذه الملفات أن جفري إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال منحرف، بل كان حلقة في شبكة أوسع تستخدم المال والجنس كأدوات للسيطرة. هذا ليس كلامًا مبالغًا فيه، بل هو الواقع الذي كشفته ملايين الصفحات المسربة. شبكات السيطرة الحديثة لا تحتاج إلى أسلحة بالضرورة، بل تستغل نقاط ضعف البشر: الطمع، الشهوة، الغرور. المال والجنس يظلان من أقوى الأدوات وأسرعها للسيطرة على البشر، بغض النظر عن قوتهم أو نفوذهم.
يبقى السؤال مطروحًا: هل ظهور أسماء عربية بارزة إلى جانب شخصية مثل جفري إبستين هو أمر طبيعي بحكم مكانته كرجل أعمال وملياردير، أم أن وجود صورهم على جدران بيته وأسمائهم في رسائله الخاصة يشير إلى ما هو أبعد من مجرد علاقات عمل عابرة؟