يثور سؤال مقلق في الأوساط العالمية: إلى أي حضيض يمكن أن تهوي إليه البشرية حين يصبح التلذذ بانتهاك أعراض قاصرات هواية، والاعتداء الجنسي على الأطفال ترفيهًا؟ وكيف يمكن لرحلات العبث والمجون أن تُنظم عبر مراسلات وحجوزات وجداول منتظمة؟
لقد ضرب زلزال سياسي مدوٍ مركزه أمريكا، وامتدت توابعه إلى كل مكان حول العالم. العنوان الأبرز والبطل الرئيسي هو رجل الأعمال والملياردير الأمريكي جيفري إبستين، في القضية التي عُرفت إعلاميًا بـ “قضية إبستين”.
شبكة إجرامية تتجاوز المألوف
لم تكن شبكة إبستين للدعارة بالمفهوم النمطي، بل كانت أكبر وأخطر من ذلك بكثير. اتُهم الرجل بإدارة شبكة منظمة لاستغلال منازله وجزيرته الخاصة لارتكاب جرائم جنسية بشعة ضد فتيات قاصرات، وتجنيد أخريات لتوسيع دائرة جرائمه.
أعلن نائب وزيرة العدل الأمريكية، تود بلانش، عن السماح بنشر أكثر من ثلاثة ملايين صفحة إضافية مرتبطة بملفات إبستين. هذه الوثائق، المتاحة على موقع وزارة العدل الأمريكية، تكشف عن تفاصيل تتجاوز الخيال، وتفضح ممارسات قد لا تستطيع الفطرة البشرية السليمة استيعابها.
ما زاد من حجم الفضيحة هو أن الوثائق تشير إلى تورط مئات الرجال من النخب السياسية والمالية والأكاديمية والرياضية والفنية في الولايات المتحدة وخارجها، في علاقات مشبوهة مع إبستين. كان ينتظر محاكمته بتهم الاتجار بفتيات لا تتجاوز أعمارهن 14 عامًا، لكن القصة اتخذت منحى دراميًا.
موت غامض في سجن شديد الحراسة
كما في أفلام هوليوود، قيل إن إبستين انتحر في محبسه بسجن شديد الحراسة في قلب نيويورك في 10 أغسطس 2019، بعد القبض عليه للمرة الثانية. هذا “الانتحار” أنهى كل شيء ظاهريًا، وقطع الروابط التي كانت ستُكشف في المحاكمة. لكن الغموض الذي أحاط بالحادثة أثار الشكوك.
ملاحظات حول الحادثة:
- كاميرات المراقبة: تعطلت فجأة كاميرات المراقبة المسلطة على زنزانته.
- الحراس: كان من المفترض أن يتناوب حارسان على الأقل على مراقبته كل نصف ساعة، لكنهما غطا في نوم عميق في تلك الليلة وفقًا للتحقيقات.
- الرواية الرسمية: أعلن الطبيب الشرعي أن سبب الوفاة هو الانتحار.
رغم ذلك، لم تُغلق القضية، بل عادت لتتصدر المشهد بقوة خلال الأيام الماضيرة.
من هو جيفري إبستين؟
- ملياردير ورجل أعمال: ولد في نيويورك عام 1953.
- مهن متعددة: عمل في التدريس والاستثمار المصرفي.
- علاقات نافذة: كان معروفًا بقربه من العديد من النجوم والساسة.
- سجل إجرامي قديم: في عام 2008، أُدين في فلوريدا بدفع أموال لفتيات قاصرات مقابل أعمال منافية للآداب. لكن العقوبة كانت صادمة: 13 شهرًا فقط في السجن، بموجب اتفاق سري مع المدعي العام، مع السماح له بالخروج لساعات وقضائها في منزله.
- الاعتقال الأخير: اعتُقل مرة أخرى عام 2019 في أحد مطارات نيو جيرسي بتهمة إدارة شبكة للدعارة، قبل العثور عليه ميتًا في زنزانته.
جزيرة الرذيلة: مسرح الجرائم
كان إبستين يمتلك جزيرة بأكملها، وهي “ليتل سانت جيمس”، التي أصبحت تُعرف إعلاميًا بـ “جزيرة إبستين”. كانت هذه الجزيرة المسرح الرئيسي لجرائمه.
- الموقع: تقع في البحر الكاريبي ضمن جزر العذراء الأمريكية.
- المساحة: تبلغ حوالي 75 فدانًا.
- حصن منيع: كان القانون لا يقترب من هذه الجزيرة، على الأقل قبل انفجار القضية.
تاريخيًا، اشترت الولايات المتحدة هذه الجزيرة من الدنمارك خلال الحرب العالمية الأولى لمنع استخدامها كقاعدة للغواصات الألمانية. لاحقًا، أصبحت ملكية خاصة وملاذًا للهاربين من الضرائب. امتلكها إبستين لمدة 20 عامًا، وحاول بناء سمعة طيبة عبر تبرعاته السخية، لكن سمعته السيئة كانت منتشرة محليًا. وُصفت الجزيرة في الدعوى الجنائية بأنها كانت “المخبأ والملاذ الأمثل للاتجار جنسيًا بالفتيات القاصرات وممارسة العبودية الجنسية”.
تداعيات سياسية وأسماء كبيرة
نفى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أي علاقة بالقضية، بل وادعى أن إبستين كان يتآمر مع الكاتب والمخرج مايكل وولف للإضرار به سياسيًا. وقال ترامب: “سنقاضي وولف على الأرجح، وربما ورثة إبستين أيضًا”.
ومع ذلك، يرى محللون أن المجتمع الأمريكي، رغم اعتياده على الصدمات، يواجه فيضانًا من الوثائق قد يكون أكثر خطورة من تسريبات “ويكيليكس”. ما كُشف حتى الآن ليس سوى قمة جبل الجليد، والأسابيع القادمة قد تكشف عن المزيد من الأسماء والتفاصيل المروعة.
من المهم الإشارة إلى أن ليس كل من ذُكر اسمه في هذه الوثائق متهمًا بالضرورة بارتكاب جرائم أخلاقية. كان لإبستين وجهان: وجه المجرم الذي يدير شبكة للاستغلال الجنسي، ووجه رجل الأعمال النافذ في نيويورك الذي يملك شبكة علاقات واسعة مع شخصيات تبحث عن النفوذ والنجاح.
هل كانت القضية مجرد واجهة؟
تطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان إبستين مجرد واجهة لأجهزة استخبارات معقدة. يبدو صعوده الصاروخي في وول ستريت، عاصمة المال العالمية التي لا ترحم، أمرًا غير منطقي لشخص لم يكمل تعليمه الجامعي.
تشير بعض التحليلات إلى احتمالية وجود دور لجهاز الموساد الإسرائيلي، نظرًا لجذور إبستين وعلاقاته الخاصة بإسرائيل التي وردت في بعض الوثائق. ربما كان يستغل شبكته لابتزاز شخصيات نافذة سياسيًا.
في النهاية، تبقى هذه القضية مليئة بالتفاصيل المقززة التي تكشف عن هوة سحيقة من التدني الأخلاقي والسلوكي لنخب تملك المال والسلطة والنفوذ. والسؤال الأخطر يبقى معلقًا: كم “إبستين” آخر لم تُكشف جرائمه بعد؟ وهل أزالت هذه الفضيحة الستار عن الوجه القبيح للحضارة المادية المعاصرة؟