href="https://fonts.googleapis.com/css2?family=Aref+Ruqaa:wght@400;700&family=Outfit:wght@300;400;500;600;700&family=Playfair+Display:ital,wght@0,400;0,600;0,700;1,400&family=Tajawal:wght@300;400;500;700;800&family=Pinyon+Script&display=swap" rel="stylesheet">

ملفات إبستين: أسرار جزيرة الشيطان التي هزت عروش الأقوياء

Ibn Hamdoun 2026-02-02 6 دقيقة

في يناير 2024، قررت المحكمة الفيدرالية في نيويورك فتح الصندوق الأسود، مُفرجة عن آلاف الصفحات التي ظلت سرية لسنوات طويلة. استيقظ العالم على صدمة ملفات جيفري إبستين، التي لم تكشف عن مجرمين عاديين، بل عن شبكة تضم صفوة المجتمع الدولي والأمريكي: رؤساء دول، ملوك، أمراء، علماء فيزياء، ونجوم حائزون على جوائز الأوسكار. ارتبطت كل هذه الأسماء بتهم مروعة، من الاتجار الجنسي واستغلال القاصرات إلى الابتزاز.

كان مركز هذه الشبكة الدولية للدعارة مكانًا واحدًا: جزيرة “ليتل سانت جيمز”، التي عُرفت فيما بعد بـ “جزيرة الشيطان”. فما هي حكاية جيفري إبستين وهذه الجزيرة؟ ما الأسرار التي كشفتها الملفات؟ وما هو مصير الوثائق والأدلة، وعلاقة كل ذلك بمستقبل أقوى رجال العالم؟ هذا المقال سيجيب عن كل هذه الأسئلة.

من هو جيفري إبستين؟ الملياردير الشبح

لقب “الملياردير الشبح” لم يأتِ من فراغ. كانت بداية جيفري إبستين أبعد ما تكون عن نهايته المأساوية. بدأ حياته المهنية كمدرس للرياضيات والفيزياء في مدرسة دالتون الخاصة بنيويورك، وبعد عامين، انتقل للعمل في بنك “بير ستيرنز” في وول ستريت. فجأة، وبدون أي مقدمات منطقية، تحول إلى ملياردير. اشترى قصرًا في مانهاتن، وأسطول طائرات خاصة، وجزيرة كاملة باسمه، وبنى شبكة علاقات مع شخصيات ذات نفوذ هائل مثل بيل كلينتون، وبيل جيتس، ودونالد ترامب.

ظل مصدر ثروته لغزًا محيرًا. الخيط الوحيد الذي توصلت إليه التحقيقات الصحفية كان علاقته بالملياردير ليز ويكسنر، صاحب إمبراطورية “فيكتوريا سيكرت”. بطريقة ما، تمكن إبستين من الحصول على توكيل عام لإدارة ثروة ويكسنر بالكامل، ومن هنا فُتح له باب الثراء الفاحش.

لكن إبستين كان ذكيًا، وأدرك أن المال وحده لا يكفي. كان بحاجة إلى واجهة اجتماعية تضعه في مصاف الكبار. قرر أن يلعب دور رجل الخير وراعي العلم، فتبرع بملايين الدولارات لجامعات كبرى مثل هارفارد، وظهر في صور ولقاءات مع علماء مشهورين مثل أيقونة الفيزياء ستيفن هوكينج. كان يبني لنفسه صورة لامعة ليغطي على الممارسات المظلمة التي كان يديرها في “جزيرة الشيطان”.

جزيرة الشيطان: مصيدة النفوذ

هنا تظهر شخصية محورية أخرى في القصة: جزلين ماكسويل، ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني الراحل روبرت ماكسويل. لم تكن مجرد صديقة لإبستين، بل كانت شريكته في كل شيء. وصفتها بعض الشهادات بأنها مديرة أعماله ومنظمة الأنشطة على الجزيرة.

معًا، أسسا نظامًا شيطانيًا لاستدراج الفتيات القاصرات للعمل في الجزيرة، أشبه بنظام التسويق الهرمي. لم يكونوا يخطفون الفتيات من الشوارع كما في الأفلام، بل كانت جيسلين تجند الضحية الصغيرة مقابل المال، وبعد كسب ثقتها، تطلب منها إحضار صديقاتها مقابل المزيد من المال، وهكذا دواليك حتى تكونت شبكة متكاملة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يفعل ملياردير يملك كل شيء مثل هذا؟ هل كان الأمر مجرد هوس وشهوة، أم أن هناك أبعادًا أخرى؟

الأكيد أن النظام الذي بناه إبستين في جزيرته منحه سلطة وحماية ونفوذًا على أقوى رجال العالم. لم تكن “جزيرة الشيطان” مجرد منتجع سياحي للنزوات المحرمة، بل كانت مصيدة متقنة. كشفت التحقيقات والشهادات أن الجزيرة وقصورها كانت مزروعة بالكاميرات وأجهزة التنصت في كل مكان: غرف النوم، الحمامات، وصالات الاستقبال. كان إبستين يوثق كل صوت وصورة ليجمع أرشيفًا أسود لأقوى رجال العالم في أوضاع مخلة.

تخيل أنك تملك تسجيلًا لرئيس دولة أو أمير أو عالم كبير وهو يرتكب جريمة كهذه. أنت لم تعد مجرد ملياردير، بل أصبحت قادرًا على ابتزازه وتوجيهه كما تشاء. هذا يفسر حجم النفوذ الهائل الذي وصل إليه إبستين، والحصانة التي تمتع بها.

صفقة العار ونهاية غامضة

في عام 2008، عندما بدأت التحقيقات الصحفية والشهادات تظهر للعلن، ألقت الشرطة في فلوريدا القبض على إبستين. كان الحكم المؤبد هو النتيجة المنطقية، لكن المفاجأة كانت أن المدعي العام الفيدرالي آنذاك، ألكسندر أكوستا، وقع معه اتفاقًا سريًا عُرف إعلاميًا بـ “صفقة العار”. حُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا فقط، قضى منها 13 شهرًا ثم خرج لحسن السير والسلوك.

لم يقضِ عقوبته في سجن عادي، بل في جناح خاص بسجن مقاطعة بالم بيتش، حيث كان يُسمح له بالخروج لمدة 12 ساعة يوميًا، ستة أيام في الأسبوع، ليدير أعماله من مكتبه ثم يعود ليلًا للنوم في السجن، وكأنه في فندق خمس نجوم. قالت الصحافة لاحقًا إن شخصًا ما أخبر أكوستا بأن “إبستين يتبع للمخابرات” وأن الموضوع أكبر من سلطته، لكن أكوستا أنكر ذلك.

بعد هذه الصفقة، عاد إبستين لممارسة حياته ونشاطه وكأن شيئًا لم يكن، مطمئنًا إلى حصانته غير المعلنة.

بداية النهاية

ظل الوضع مستقرًا حتى عام 2018، الذي كان بداية النهاية لإبستين. نشرت صحيفة “ميامي هيرالد” تحقيقًا استقصائيًا ضخمًا أعدته الصحفية جولي براون بعنوان “انحراف العدالة”. كشف التحقيق كواليس الصفقة المشبوهة لعام 2008 ونشر شهادات جديدة ومروعة لضحايا تم تجاهلهم لسنوات. أحدث التحقيق ضجة هائلة ووضع وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في موقف محرج.

في 6 يوليو 2019، وقعت المفاجأة. أثناء عودة إبستين بطائرته الخاصة من فرنسا، وجد الـ FBI في انتظاره بمطار تيتروبورو وألقوا القبض عليه بتهمة الاتجار الجنسي بقاصرات. نُقل إلى سجن شديد الحراسة في مانهاتن. كان العالم يترقب المحاكمة التي قد تغير شكل أمريكا والعالم، لكنها لم تحدث أبدًا.

في صباح يوم 10 أغسطس 2019، وُجد جيفري إبستين ميتًا في زنزانته. التقرير الرسمي للطب الشرعي أعلن أن سبب الوفاة هو الانتحار شنقًا. هذه النهاية فتحت بابًا لا ينتهي من الأسئلة والشائعات، خاصة في ظل الظروف المحيطة بوفاته:

  1. رفع المراقبة: كان إبستين تحت “مراقبة الانتحار” لمحاولته إيذاء نفسه قبل أسابيع، لكن المراقبة رُفعت عنه قبل وفاته بفترة قصيرة.
  2. نقل زميل الزنزانة: زميله في الزنزانة، وهو ضابط شرطة سابق متهم بالقتل، نُقل من الزنزانة قبل الحادثة بيوم واحد فقط، ليصبح إبستين وحيدًا.
  3. إهمال الحراس: الحراس المكلفون بمراقبته كل 30 دقيقة أمضوا ليلتهم في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي ثم ناموا، وقاموا بتزوير السجلات في الصباح.
  4. عطل الكاميرات: الكاميرات لم تكن تغطي باب زنزانته، كما أن عطلًا فنيًا مفاجئًا تسبب في عدم تسجيل بعض اللقطات الحاسمة.

هل انتحر حقًا، أم تم اغتياله لإسكاته؟ يظل هذا لغزًا كبيرًا.

صندوق إبستين الأسود يُفتح

موت إبستين لم يكن نهاية القضية، بل بداية زلزال يناير 2024. قررت القاضية لوريتا بريسكا الكشف عن أكثر من 900 صفحة من وثائق القضية السرية. احتوت الوثائق على شهادات مروعة، رسائل إلكترونية مشفرة، وقوائم ركاب الطائرات الخاصة المتجهة إلى “جزيرة الشيطان”. ظهرت أسماء مثل بيل كلينتون، دونالد ترامب، الأمير أندرو، وبيل جيتس، ليس كمتهمين مباشرين، بل كمرتبطين بالشبكة.

توالت التسريبات:

  • فبراير 2025: وزارة العدل تصدر 200 صفحة من مذكرات الـ FBI تكشف روابط سرية مع رجال أعمال وسياسيين.
  • نوفمبر 2025: ظهور 23,000 صفحة جديدة تكشف كيف كان ترامب على علم بأفعال إبستين، رغم إنكاره.
  • ديسمبر 2025: إصدار “قانون شفافية ملفات إبستين”، الذي وقعه ترامب بنفسه، مما أتاح الملفات للرأي العام. ظهرت صور لشخصيات مثل مايكل جاكسون، نعوم تشوميسكي، وكيفين سبيسي مع إبستين.

لغز لم يُحل بعد

لكن القصة لم تنتهِ. في 20 ديسمبر 2025، حدث أمر غريب. رفعت وزارة العدل دفعة جديدة من الوثائق، وفجأة اختفى 16 ملفًا كاملاً من الموقع. تقول التسريبات إن هذه الملفات تحتوي على صور جديدة للرئيس الأسبق بيل كلينتون وتفاصيل حساسة تمس شخصيات نافذة في السلطة.

تذهب بعض الآراء إلى أن إبستين كان على علاقة قوية بالموساد الإسرائيلي عن طريق شريكته جيسلين، وأن “جزيرة الشيطان” كانت عملية مدعومة من جهات خارجية للتحكم في السياسة الأمريكية.

في النهاية، ورغم آلاف الصفحات المسربة والضجيج الإعلامي، لم يكتشف العالم الحقيقة الكاملة. الرأس المدبر، جيفري إبستين، مات وأخذ أسراره معه. شريكته، جيسلين ماكسويل، حُكم عليها بالسجن 20 عامًا. أما الحيتان الكبيرة التي ظهرت أسماؤها، فلا يزالون أحرارًا في قصورهم ومناصبهم.

واقعة اختفاء الملفات الأخيرة تتركنا أمام علامات استفهام كثيرة. هل ما ظهر هو كل شيء، أم مجرد ما سُمح بظهوره؟ هل سيأتي اليوم الذي نرى فيه المتورطين الكبار في قفص الاتهام، أم سيظل النفوذ هو خط الدفاع الأخير الذي يحمي المجرمين طالما كانوا هم من يملكون السلطة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

Support Content Creators

هل ألهمك هذا المقال؟

ادعم الكاتب لتقديم المزيد من المحتوى الإبداعي. صوتك يساهم في إيصال المعرفة.

👤 👤 + جاري التحميل...