أصدرت وزارة العدل الأمريكية مؤخرًا ثلاثة ملايين صفحة إضافية من الوثائق المتعلقة بالمدان الراحل في جرائم جنسية، جيفري إبستين، فيما وصفته الوزارة بأنه “الإصدار النهائي” لملفات القضية. لكن الحقيقة الصادمة هي أن هناك أكثر من مليونين ونصف المليون صفحة أخرى لا تزال طي الكتمان.
في مقابلة حديثة، صرح عضو الكونغرس الديمقراطي رو خانا، المشارك في رعاية قانون شفافية ملفات إبستين، بأن وزارة العدل لم تمتثل بالكامل للقانون. وأوضح قائلاً: “لقد أصدروا في أحسن الأحوال نصف الوثائق، ولكن حتى تلك التي تم الكشف عنها تصدم ضمير هذا البلد. نرى بعضًا من أغنى الأفراد، من قادة التكنولوجيا والمال والسياسيين، متورطين بطريقة ما، عبر رسائل بريد إلكتروني يعبرون فيها عن رغبتهم في الذهاب إلى جزيرة إبستين، مع علمهم بأنه كان متحرشًا بالأطفال. بصراحة، هذه واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ بلدنا، وهناك طلب متزايد على مساءلة النخبة”.
غضب الناجين وخيانة الأمانة
أعرب محامو الناجين عن استيائهم العميق، ليس فقط بسبب عدم الكشف عن جميع الملفات، بل لأن أسماء العديد من الناجيات ظهرت عن طريق الخطأ دون تنقيح، مما عرضهن لصدمة جديدة.
وذكر تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” أن الملفات الجديدة تتضمن 5300 ملف تحتوي على أكثر من 38 ألف إشارة إلى دونالد ترامب، والسيدة الأولى ميلانيا ترامب، ومنتجع مارا لاغو. ورغم أن العديد من هذه الإشارات هي مجرد مقالات إخبارية، إلا أن الملفات الجديدة تضمنت أيضًا وثيقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي تلخص مزاعم ضد ترامب قدمها متصلون بخط البلاغات الساخن التابع للمكتب.
في بيان مؤثر، انتقدت مجموعة من الناجيات طريقة تعامل وزارة العدل مع القضية، قائلين:
“هذا الإصدار الأخير من ملفات جيفري إبستين يُسوَّق على أنه شفافية، ولكنه في الحقيقة يفضح الناجيات. ك ناجيات، لا ينبغي أبدًا أن نكون نحن من تخضع أسماؤهن للتدقيق والصدمة من جديد، بينما يستمر المتواطئون مع إبستين في الاستفادة من السرية. هذه خيانة لنفس الأشخاص الذين من المفترض أن تخدمهم هذه العملية”.
شبكة الأقوياء: أسماء بارزة في دائرة الضوء
تكشف الوثائق عن تفاصيل جديدة حول علاقات إبستين بالأثرياء والأقوياء حول العالم. في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، سأل إيلون ماسك إبستين: “في أي يوم ستكون الحفلة الأكثر صخبًا في جزيرتك؟”. وفي رسالة أخرى عام 2013، كتب مؤسس “فيرجن”، ريتشارد برانسون، إلى إبستين أنه يود رؤيته مرة أخرى “طالما أنك ستحضر حريمك”.
كما تظهر رسائل البريد الإلكتروني أن وزير التجارة في عهد ترامب، هوارد لوتنيك، رتب لزيارة جزيرة إبستين في عام 2012، أي بعد سنوات من ادعائه أنه قطع علاقاته به. ومع كل هذه الأدلة، صرح نائب المدعي العام تود بلانش بأنه من غير المرجح مقاضاة أي شخص آخر.
عاصفة من الإهمال والتستر
يوضح إريك فيدالي، الشريك والمدير الإداري لمكتب “بلوم” للمحاماة الذي يمثل 11 من ضحايا إبستين، أن ما يحدث هو “عاصفة مثالية بين عدم الكفاءة والتستر المتعمد”. ويضيف: “الأمر محير للعقل، فهم يحجبون وثائق يجب ألا يحجبوها ويستحق الجمهور رؤيتها، بحجة امتياز المحامي وموكله وامتيازات أخرى غامضة. وفي المقابل، يكشفون عن وثائق لا ينبغي الكشف عنها لأنها تحتوي على أسماء غير منقحة للناجيات”.
ضرب فيدالي مثالاً مروعًا لإحدى موكلاته التي تم الكشف عن اسمها 538 مرة. هذه السيدة تم الاتجار بها جنسيًا من أوزبكستان في عام 2009، أي بعد عام من حصول إبستين على “الصفقة المخزية” من أليكس أكوستا. يقول فيدالي: “هذا العدد الفاحش من الأخطاء لا يغتفر. لقد زودنا وزارة العدل باسمها، ولا يوجد أي عذر لهذا النوع من عدم الكفاءة”.
الصفقة المشبوهة التي حمت إبستين
يعود هذا المقال إلى الصفقة التي أبرمها أليكس أكوستا في عام 2007، والتي سمحت لإبستين بالإفلات من عقوبة رادعة رغم الأدلة الدامغة ضده. كانت تلك الصفقة بمثابة “صفعة على المعصم”، حيث تم تجاهل العديد من الضحايا.
تشير التقارير إلى أن أكوستا أصدر تعليماته للمدعين العامين بعدم إبلاغ الضحايا بصفقة الإقرار بالذنب الخاصة. وهذا إجراء مثير للريبة، حيث أن إبلاغ الضحية هو من أبجديات أي صفقة قضائية.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن أكوستا جعل إبستين مجرمًا جنسيًا مسجلاً في عام 2008، مما يعني أن وضعه كان معروفًا للعامة. وهذا يطرح أسئلة جدية حول أي شخص استمر في الارتباط الوثيق به بعد ذلك التاريخ.
نادي المليارديرات: ثقافة الإفلات من العقاب
تروي الصحفية الاستقصائية فيكي وارد، التي أنتجت البودكاست الشهير “مطاردة غيلين”، كيف تعرضت للتهديد من إبستين في عام 2002 عندما كانت تحقق في قصص الأخوات فارمر لصالح مجلة “فانيتي فير”. اكتشفت وارد مؤخرًا فاكسًا أرسله إبستين إلى رئيس تحريرها آنذاك، غرايدون كارتر، يهاجمها ويشكك في مصداقيتها، مما أدى في النهاية إلى حذف شهادات الأخوات فارمر من المقال.
تظهر الوثائق أن إبستين كان يعتبر كارتر جزءًا من “نادي الفتيان” الخاص به، إلى جانب إيلون ماسك، وستيف تيش، وهوارد لوتنيك، وريتشارد برانسون، والأمير أندرو. تقول وارد: “نرى مرارًا وتكرارًا في هذه الوثائق أن هذا كان مجرد نادٍ كبير للمليارديرات يعامل النساء كأشياء”. كان إبستين حريصًا على عدم توثيق كل شيء كتابيًا، لكن ثقافتهم كانت واضحة.
تسويات سرية وشهادة مرتقبة
من المقرر أن تدلي غيلين ماكسويل بشهادتها أمام الكونغرس، ورغم أنه من المتوقع أن تلتزم الصمت، إلا أنها في استئنافها تحدثت عن 25 رجلاً تم عقد تسويات مالية معهم. تدعي ماكسويل أنهم تعرضوا للضغط للقيام بهذه التسويات بسبب الإجراءات الجنائية التي كانت تلوح في الأفق.
لطالما أشارت المصادر إلى وجود العديد من التسويات المدنية التي تمت خلف الكواليس مع رجال نافذين، والتي تضمنت اتفاقيات عدم إفصاح. ولولا هذه التسويات، ربما كان هؤلاء الرجال يواجهون محاكمات جنائية اليوم.
يختتم فيدالي حديثه بالتأكيد على أن موكلته الأوزبكية والعديد من النساء الأخريات لم يكن ليقعن ضحايا لإبستين لو أن نظام العدالة قام بعمله بشكل صحيح في عام 2007. ويقول: “هذا هو الإرث المأساوي لهذه القضية. لم نر أي شيء في الوثائق الصادرة يشرح حقًا المداولات ورسائل البريد الإلكتروني التي أدت إلى تلك الصفقة المشبوهة”.
في النهاية، ومع وجود مزاعم خطيرة تصل إلى القتل والاعتداء الجنسي مدفونة في ملايين الصفحات، ومع إعلان وزارة العدل أن التحقيقات قد انتهت، تتعالى الأصوات المطالبة بتعيين خبير قضائي مستقل للإشراف على هذه العملية. فالواضح أن وزارة العدل لا يمكن الوثوق بها لتدقيق نفسها في قضية يستمر فيها جيفري إبستين في الحصول على “معاملة خاصة حتى من وراء القبر”.