لم يكن مجرد اغتيال. ولم تكن مجرد جريمة داخل قنصلية. بعد مرور سنوات على الحادثة التي هزت العالم، تعود رسائل من قلب ملفات جيفري إبستين لتعيد خلط الأوراق وتطرح سؤالاً أخطر من كل الاتهامات التي وجهت سابقاً.
جريمة تهز العالم… ورسائل غامضة
في الثاني من أكتوبر عام 2018، اهتز العالم على نبأ مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول. أثارت الجريمة غضباً دولياً واسعاً، وخلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية في وقت لاحق إلى أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وافق شخصياً على العملية.
لكن في كواليس تلك الأزمة العاصفة، كان هناك من يراقب، يحلل، ويكتب. كان جيفري إبستين، رجل المال الغامض المدان بجرائم جنسية، يتبادل رسائل خاصة حول قضية خاشقجي، وكأنه يمتلك مفاتيح لأسرار لا يعرفها العامة.
في رسالة مؤرخة في الثاني عشر من أكتوبر 2018، أي بعد عشرة أيام فقط من الجريمة، كتب إبستين إلى وزير الإعلام الكويتي الأسبق، أنس الرشيد، كلمات تحمل في طياتها ما هو أبعد من التحليل السطحي:
“الأمر يبدو أكبر من مجرد حادثة، ولن أستغرب إن كان محمد بن زايد قد ورّط محمد بن سلمان.”
هذه الرسالة، التي كُشف عنها ضمن وثائق إبستين المفرج عنها، تفجر قنباًة معلوماتية. إبستين، الذي كان معروفاً بعلاقاته الوثيقة مع حكومة أبو ظبي، يشير بأصابع الاتهام إلى طرف ثالث، ويلمح إلى وجود مؤامرة معقدة.
نظرية المؤامرة: هل ورّط بن زايد بن سلمان؟
تذهب الرسائل إلى ما هو أبعد من التلميح، لترسم صورة لخيانة سياسية كبرى. تشير الوثائق إلى أن مقتل جمال خاشقجي لم يكن مجرد عملية اغتيال فاشلة، بل كان مؤامرة رفيعة المستوى، تم تصميمها وتنظيمها من قبل ولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد، بهدف أساسي وهو تخريب سمعة ولي العهد السعودي وعزله على الساحة العالمية.
لم تعد هذه مجرد نظرية، بل أصبحت، حسب ما تظهره الوثائق، “خيانة موثقة” غيرت مسار تاريخ الشرق الأوسط. تكشف الملفات أن العملية التي قادتها أبو ظبي كانت مصممة بعناية للإيقاع بالقيادة السعودية وتوريطها في جريمة بشعة أمام العالم.
دور إبستين: وسيط أسرار أم مجرد مراقب؟
تزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى دور إبستين نفسه. الرسائل المتبادلة لم تكن مجرد تكهنات، بل ناقشت سيناريوهات محتملة مثل “تسريبات ذكية وسريعة” لإدارة الرأي العام، واحتمالية أن تكون العملية برمتها “فخاً استخباراتياً” أو حتى محاولة لوصم خاشقجي نفسه بالإرهاب لتبرير الجريمة.
ما يثير الريبة أكثر هو ما كشفته مذكرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، والتي تشير إلى أن إبستين عمل في السابق مع كل من الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، وكان مقرباً من قادة وصناع قرار على أعلى المستويات. وفي الليلة نفسها التي كان يناقش فيها هذه السيناريوهات، تلقى إبستين رسالة عاجلة تفيد بأن محمد بن زايد يطلب لقاءً فورياً معه.
هذا الاستدعاء السريع، بحسب الوثائق، كان بهدف المساعدة في إدارة التداعيات الكارثية للمؤامرة والسيطرة على السرد الإعلامي.
الحقيقة المطوقة بالأسرار
هل كان جيفري إبستين مجرد متفرج ذكي يحلل الأحداث، أم كان وسيطاً للأسرار يلعب دوراً محورياً في كواليس السياسة العالمية؟ وهل كانت جريمة مقتل خاشقجي قراراً منفرداً اتخذته الرياض، أم كانت حلقة في لعبة شطرنج أكبر وأكثر خطورة، أدارتها أطراف أخرى لتحقيق مصالحها؟
لقد فُتحت ملفات إبستين، لكن يبدو أن كل صفحة منها تفتح الباب أمام المزيد من الأسئلة بدلاً من تقديم إجابات شافية. الحقيقة الكاملة حول واحدة من أكثر الجرائم السياسية إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين لا تزال مطوقة بالغموض والأسرار.