عادت قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي، التي كادت أن تُنسى، إلى الواجهة بقوة. كشفت ملفات جيفري إبستين عن خيوط جديدة، مثيرةً تساؤلات عميقة حول علاقة محمد بن زايد، حاكم أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات، بهذه القضية الشائكة. فما الذي كشفته هذه الوثائق بالضبط؟
ملفات إبستين: ما وراء الأسماء الكبرى
لم تقتصر ملفات إبستين على فضح علاقاته مع نخب السياسة والاقتصاد في الغرب فحسب، بل امتدت لتشمل أسماءً وشخصيات عربية بارزة. من بين هذه الأسماء، برز اسم جمال خاشقجي، الذي قُتل في الثاني من أكتوبر 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، في جريمة أدت إلى تسميم العلاقات بين واشنطن والرياض لسنوات.
الجديد في القضية الآن هو ظهور أسماء لم تكن في الحسبان. فبينما وجه المسؤولون الأتراك في مارس 2020 لائحة اتهام لعشرين مواطنًا سعوديًا، أثارت ملفات إبستين تساؤلات حول ارتباط القضية بجهات أخرى. تم الكشف عن رسائل إلكترونية تبادلها إبستين مع وزير الإعلام الكويتي الأسبق، أنس الرشيد، تلمح إلى أمور خطيرة.
همس إبستين: فخ منصوب للأمير؟
في رسائله، ألمح إبستين إلى وجود علاقة تربط محمد بن زايد بمقتل خاشقجي، وهو ما وصفه الوزير الكويتي الأسبق بأنه “عمل قبيح للغاية”. لم يسمِّ إبستين “النائب” المتورط، لكن تقارير المخابرات الأمريكية كانت قد أشارت بالفعل إلى أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وافق على العملية.
تحولت قضية خاشقجي بسرعة من جريمة جنائية إلى أزمة دبلوماسية معقدة، واليوم، مع هذه التسريبات، تعود لتطرح تساؤلات حول تأثيرها ليس فقط على علاقات واشنطن بالرياض، بل وأيضًا بأبو ظبي.
ردود الفعل الدبلوماسية: عاصفة في فنجان؟
بالعودة إلى الوراء، يمكننا تتبع التفاعلات الأولية التي أعقبت الجريمة. بعد قرابة ثلاثة أسابيع من الصمت والضغوط الدولية، اعترفت السعودية بمقتل خاشقجي داخل قنصليتها، زاعمةً أنه توفي إثر “شجار”.
- تركيا: بصفتها الدولة التي وقعت الجريمة على أراضيها، كان موقفها حازمًا. طالب الرئيس التركي بالكشف الفوري عن كل المتورطين، مهما كانت مناصبهم.
- قطر: التي كانت في خضم قطيعة دبلوماسية مع السعودية والإمارات، دعت إلى محاسبة المسؤولين “أيًا كانوا”، معتبرةً الجريمة “جرس إنذار للجميع”.
- الإمارات: كان موقفها مثيرًا للانتباه. فبينما دعت لمحاسبة المسؤولين، ساندت السعودية وتضامنت معها في كل خطواتها، ورفضت أي “استغلال سياسي للقضية”. لكن هذا الموقف، بحسب تقارير لاحقة، لم يرقَ إلى مستوى توقعات الرياض التي كانت تنتظر دعمًا أقوى من حليفها الأساسي.
في عام 2021، نشرت صحيفة “الأخبار” اللبنانية تحليلات تشير إلى أن الإمارات ربما تكون قد ورطت ولي العهد السعودي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ودفعته نحو التهور والخروج عن تقاليد السياسة السعودية القائمة على الصبر والحلم.
تكهنات أم حقائق؟
إذا صحت تكهنات إبستين، فما الذي قد يدفع محمد بن زايد لنصب “فخ” لصديقه محمد بن سلمان؟ يرى محللون أن هذه مجرد تكهنات لا تستند إلى حقائق.
ملاحظة تحليلية: “هذه التكهنات ظهرت بعد أيام من مقتل الصحفي، لكنها لا تستند إلى أدلة. لدينا الآن حقائق مبنية على تحليلات استخباراتية أمريكية وصلت لنتيجة أن محمد بن سلمان شخصيًا وافق على العملية. لذا، لا أعتقد أن هذه التكهنات صحيحة.”
يبدو أن أبو ظبي والرياض كانتا في سباق محموم للتقرب من البيت الأبيض. لكن ما هي حقيقة موازين القوى في علاقاتهما مع واشنطن؟
تنافس الحلفاء: أبو ظبي والرياض في واشنطن
لفهم السياق، يجب النظر إلى حجم العلاقات العسكرية والتجارية لكل من الإمارات والسعودية مع الولايات المتحدة.
الحضور العسكري الأمريكي:
- الإمارات: وجود أمريكي في قاعدة الظفرة الجوية، ووجود بحري في ميناء جبل علي.
- السعودية: حضور أمريكي في قاعدة الأمير سلطان الجوية، مع وجود 2300 جندي أمريكي.
العلاقات التجارية (أرقام تقريبية):
- التبادل التجاري الإماراتي-الأمريكي: 40 مليار دولار.
- التبادل التجاري السعودي-الأمريكي: 33 مليار دولار.
- الاستثمارات الإماراتية في أمريكا: مئات المليارات من الدولارات.
- الاستثمارات السعودية في أمريكا: أكثر من 150 مليار دولار.
من الواضح أن إبستين لم يكن ينظر للقضية من منظور أخلاقي، بل كحدث جيوسياسي من شأنه أن يعيد رسم خريطة التحالفات. وبالفعل، دخلت العلاقات الأمريكية-السعودية نفقًا مظلمًا.
السياسة الأمريكية: مصالح أم مبادئ؟
تحولت قضية خاشقجي إلى قضية رأي عام عالمي، وانعكس ذلك في تصريحات السياسيين الأمريكيين الذين توعدوا بمعاقبة القادة السعوديين وجعلهم “منبوذين”. لكن هذا الجفاء لم يدم طويلاً.
في نوفمبر 2025، وخلال لقاء في البيت الأبيض، تجلى التحول في الموقف الأمريكي عندما دافع الرئيس الأمريكي عن ولي العهد السعودي في وجه سؤال من صحفية حول خاشقجي، واصفًا الأمير بأنه “صديق عزيز” قام “بمهمة استثنائية”، وطالب الصحفية بعدم إحراج الضيف.
يثبت هذا التحول أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تعتمد بالضرورة على القانون أو حقوق الإنسان، بل على تحليلات ضيقة للمصالح الأمريكية. لهذا السبب، لم يتم الضغط بجدية على الحكومة السعودية لاتخاذ إجراءات حقيقية.
مستقبل حقوق الإنسان في المنطقة
يرى مراقبون أن الولايات المتحدة تكيل بمكيالين تاريخيًا. فبينما تنتقد أوضاع حقوق الإنسان في دول مثل إيران، تتغاضى عن جرائم يرتكبها حلفاؤها. بل إن الوضع أصبح أسوأ من مجرد الكيل بمكيالين.
“في السابق، كانت هناك على الأقل واجهة للاهتمام بحقوق الإنسان. الآن، سقط هذا القناع. لم يعد هناك اهتمام بحقوق الإنسان بطريقة مطلقة. المفاوضات الحالية مع إيران، على سبيل المثال، تتمحور حول برنامجها النووي، وليس قضايا حقوق الإنسان.”
هذا التجاهل لا ينتهك القانون الدولي فحسب، بل حتى القوانين الأمريكية الداخلية التي تمنع دعم الحكومات التي تنتهك حقوق الإنسان. هذا الوضع المتدهور مرشح للاستمرار، مما يزيد من قتامة مشهد حقوق الإنسان في المنطقة العربية، الذي يعاني بالفعل من انتهاكات صارخة.
في النهاية، تبقى قضية خاشقجي جرحًا مفتوحًا، ومع كل كشف جديد، تعيد خلط أوراق العلاقات المعقدة بين واشنطن والرياض وأبو ظبي، وتتركنا أمام سؤال مفتوح حول طبيعة التحالفات في عالم تحكمه المصالح أكثر من المبادئ.