نبوءة بوتين الصادمة: عندما يصبح لحم البشر حقيقة
“اعتاد الغرب أن يملأ بطونه بالمال ولحم البشر”. هذه الكلمات الصادمة التي نطق بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قبل سنوات، فُسرت آنذاك على أنها كناية عن الحروب والجشع. لكن، لم يتوقع أحد أن بوتن ربما كان يقصد ما يقوله حرفيًا. يبدو أنه كان من القلائل الذين أدركوا حقيقة ما كان يجري على جزيرة جيفري إبستين.
قبل سنوات من حديث بوتن، انهارت فتاة في الشارع وهي تصرخ بجملة مرعبة: “لقد أكلوا صديقتي! إنهم يأكلون البشر”. لم تمر سوى لحظات حتى اختفت هذه الفتاة عن الوجود، وكأنها لم تكن. وقبلها بسنوات، في حقبة التسعينيات، غرقت أمريكا في موجة من حوادث اختفاء الأطفال والفتيات، حتى أن وسائل الإعلام تبنت شعارًا تحذيريًا شهيرًا: “إنها الساعة العاشرة مساءً، هل تعلم أين أطفالك؟”. كانت هذه الأحداث تغذي الخيال الغربي بقصص القتلة المتسلسلين، لكن بعد انكشاف ملفات إبستين، بدأت الرؤية تتضح.
الأمر الأكثر غرابة هو أن إبستين نفسه كان يهوديًا وتربطه علاقة قوية بالموساد. من هنا، ننتقل إلى مستوى آخر من الفهم، مستوى يشرح لماذا يصمت العالم عن المآسي في فلسطين وسوريا وغيرها من مناطق الحروب. الآن، يمكننا أن نفهم كيف يتم الضغط على القادة الأوروبيين والأمريكيين، بينما لا ينجح الأمر نفسه مع قادة مثل رئيس الصين أو بوتن.
الصدمة الأكبر وغير المتوقعة كانت ذكر أطفال سوريا عشرات المرات في الوثائق، مما يفتح الباب أمام سؤال مرعب: أين اختفى الأطفال الذين سُجنوا في صيدنايا؟ في هذا المقال، نروي لكم التفاصيل الكاملة لهذه القصة المروعة.
جزيرة الرذيلة: مملكة إبستين المنيعة
من دهاليز وزارة العدل الأمريكية، تدفقت أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة لتعيد كتابة تاريخ الفضيحة الأكبر في العصر الحديث. أسماء رنانة في عالم السياسة والمال والترفيه وجدت نفسها فجأة تحت مجهر الحقيقة المرة. الأمير البريطاني أندرو، دونالد ترامب، رؤساء عرب، وحتى إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، لم يسلموا من شظايا هذه الملفات.
- الأمير أندرو: عاد ليتصدر المشهد من جديد.
- إيلون ماسك: كشفت مراسلاته عن تساؤلات حول حفلات إبستين رغم نفيه المستميت لأي صلة.
- وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك: ظهر اسمه كزائر للجزيرة، متحديًا ادعاءاته السابقة بقطع العلاقة.
- ولية عهد النرويج ميتا: ورد اسمها مئات المرات في المراسلات.
أسس إبستين مملكته الخاصة في جزيرة “ليتل سانت جيمز”، التي عُرفت لاحقًا بـ “جزيرة البيدوفيليا”، بأموال غامضة وعلاقات مشبوهة. لم تكن الجزيرة مجرد مكان للمتعة، بل كانت مصنعًا للفضائح مجهزًا بأحدث تقنيات التجسس العالمية. كاميرات خفية في كل زاوية وأجهزة تسجيل دقيقة كانت توثق سقطات الكبار والصغار.
كانت جيسلين ماكسويل، ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني، هي العقل المدبر والشريكة في استدراج الضحايا. شكلت مع إبستين ثنائيًا شيطانيًا استخدم طائرته الخاصة “لوليتا إكسبريس” لنقل المشاهير والسياسيين إلى مملكته المعزولة. قائمة الضيوف ضمت رؤساء دول، ملوكًا، وعلماء حائزين على جوائز نوبل. كان الجميع يظن أنه في مأمن، بينما كانت عدسات إبستين توثق كل لحظة لاستخدامها في الوقت المناسب.
في عام 2008، نجا إبستين من حكم ثقيل بفضل اتفاق سري، لكن العدالة طاردته مجددًا في 2019. نهايته في زنزانته كانت لغزًا بحد ذاتها؛ حيث أُعلن عن مقتله في ظروف غامضة، مع تعطل كاميرات السجن ونوم الحراس. مات إبستين ومات معه جزء كبير من أسرار النخبة، لكن موته لم ينهِ القصة، بل كان بداية لفتح صندوق باندورا الذي لا يزال يفيض بالحقائق الصادمة.
عين الموساد التي لا تنام: إبستين كأداة ابتزاز استراتيجي
الوجه الأكثر رعبًا في القصة هو علاقة جيفري إبستين بجهاز الموساد الإسرائيلي. تشير تقارير استخباراتية وتسريبات بقوة إلى أنه كان أصلًا استخباراتيًا للموساد. نظرًا لأصوله اليهودية، لم يكن مستغربًا أن تبدأ الصحافة الأمريكية في التحقيق في علاقته المحتملة بالجهاز.
تعززت هذه الشبهات عبر ارتباطه الوثيق بعائلة ماكسويل اليهودية النافذة، بدءًا من الأب روبرت ماكسويل، الذي تشير الوثائق إلى أن إبستين موّله عندما كان على حافة الإفلاس، وصولًا إلى الابنة جيسلين. المهمة كانت واضحة: استدراج قادة العالم إلى “فخاخ العسل” وتوثيق فضائحهم بالصوت والصورة.
ملاحظة: الابتزاز هو كتاب اللعب الكلاسيكي للموساد، وكان إبستين الأداة المثالية لتنفيذ هذه الخطة.
عندما يقع سياسي أمريكي أو أوروبي في فخ الجزيرة، فإنه يفقد القدرة على قول “لا” للمطالب الإسرائيلية. إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، كان زائرًا دائمًا لمنزل إبستين، مما يعزز فرضية الارتباط الاستخباراتي. الهدف كان ضمان الولاء المطلق لإسرائيل في مراكز القرار العالمية.
التسريبات تلمح إلى أن الموساد يمتلك أرشيفًا أسود يضم تسجيلات لشخصيات لا يمكن المساس بها، وهو ما يفسر الصمت المطبق لبعض القادة تجاه قضايا حساسة. لم يقتصر الابتزاز على أمريكا، بل امتد ليشمل القارة الأوروبية. كان إبستين عين الموساد التي لا تنام في قلب المجتمع المخملي الغربي.
الملف السوري: لغز الأطفال المفقودين والتقارير الغامضة
ضمت التسريبات أكثر من 1400 وثيقة ورد فيها اسم سوريا، لكن اللافت كان التركيز المتكرر على تقارير خاصة بأطفال الحرب والمخيمات. السؤال الأخطر: هل كانت الحرب السوريه أرضًا مفتوحة لتجارب طبية غير معلنة؟
- الوثيقة الأولى: سياسي دنماركي يرسل تقريرًا أمميًا عن شلل الأطفال في شرق سوريا مباشرة إلى إبستين. لماذا يتم إرسال ملف إنساني حساس كهذا إلى شخص متهم بإدارة شبكة استغلال؟
- وثيقة أخرى: مراسلات تناقش مستقبل الشرق الأوسط، تقسيم سوريا، الحكم الذاتي للأكراد، وكيان درزي مستقل. من كان إبستين ليحصل على إحاطات سياسية بهذا المستوى؟
- وثيقة ثالثة: تقارير إعلامية عن التغيير الديموغرافي في سوريا يتم تمريرها عبر مسؤولين أمميين لتصل مجددًا إلى إبستين.
كل هذا يوحي بأنه لم يكن مجرد متلقٍ عادي، بل مركز تجميع معلومات وتحليل استراتيجي. في إحاطة أخرى، تظهر تفاصيل دقيقة عن انشقاقات عسكرية وأحداث ميدانية داخل سوريا بدقة تسبق حتى نشرها إعلاميًا، وكأن هناك غرفة عمليات كاملة تعمل لصالحه.
الرجل الذي أوصى له إبستين بجزء من ثروته كان مسؤولًا عن ملفات الصحة والتكنولوجيا، وهنا يعود السؤال المرعب: لماذا هذا الاهتمام المتكرر بالأطفال السوريين؟ هل كان الأمر إنسانيًا فعلًا، أم بوابة لشبكة استغلال عابرة للحدود؟
في الخلفية، يظهر اسم بشار الأسد في أكثر من 500 وثيقة مرتبطة بملفات إبستين، بعضها يناقش الهجمات الكيميائية. إبستين رحل، والموساد يراقب، والوثائق تتحدث، والحقيقة لم تعد تقبل القسمة على اثنين.