تكشفت خيوط قضية جيفري إبستين لتُظهر ما هو أبعد من مجرد فضيحة أخلاقية، بل لتكشف عن شبكة تجسس وابتزاز معقدة يُعتقد أن جهاز الموساد الإسرائيلي يقف خلفها، مستخدمًا إياها كأداة للسيطرة على قرارات أهم الشخصيات في العالم. هذا المقال يغوص في أعماق هذه القضية، محللاً كيف تمكن الصهاينة من التحكم في مفاصل السياسة الدولية.
إبستين: عميل للموساد؟
تواترت الأدلة التي تشير إلى أن جيفري إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال فاسد، بل كان عميلاً للموساد. التقارير التي ظهرت أغفلت هذه الحقيقة الجوهرية، لكن الإثباتات كانت موجودة. فعندما اشتد عليه الضغط، طلب إبستين من يهود باراك التدخل لتخفيف الضغط عنه ونفي تهمة العمالة للكيان الصهيوني.
يمتلك الموساد شبكة واسعة تضم حوالي 500 ألف عميل حول العالم. وللتدليل على حجم هذا النفوذ، ألقت السلطات الفرنسية القبض على 157 عميلاً للموساد على أراضيها في أسبوع واحد فقط. هذه الحادثة تؤكد أن أي شخص يقدم خدماته للكيان الصهيوني يصبح أداة في أيديهم.
ابتزاز ترامب ومعضلة ضرب إيران
الأمور أصبحت أكثر وضوحًا مع فضائح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. لقد وجد ترامب نفسه بين نارين: فمن ناحية، كان نتنياهو يبتزه بصور ومقاطع فيديو فاضحة وحقيقية حصل عليها من شبكة إبستين، ومن ناحية أخرى، كان يواجه ضغطًا هائلاً لضرب إيران.
كان نتنياهو والصهاينة يمسكون بترامب من رقبته، مستخدمين ملايين الوثائق وآلاف مقاطع الفيديو كأداة ضغط. وعندما تراجع ترامب عن فكرة ضرب إيران، زاد الابتزاز. لماذا تراجع؟ لأن الجيش الأمريكي حذره من أن ضرب إيران سيؤدي حتمًا إلى حرب عالمية، خاصة مع عدم وقوف الصين مكتوفة الأيدي. يخطط العسكريون دائمًا للأسوأ، وقد أبلغوا ترامب أنهم لا يستطيعون توقع التبعات الكاملة لمثل هذه الضربة، والتي قد تشمل خسارة حاملات طائرات أمريكية، مما سيشكل فضيحة كبرى للولايات المتحدة.
أمام هذا المأزق، اختار ترامب تسريب جزء من الوثائق. لقد أمر بالكشف عن جزء من فضائح إبستين، حيث تم تسريب حوالي 300 ألف وثيقة من أصل 3 ملايين، في محاولة لتخفيف قبضة نتنياهو والصهاينة على رقبته. لقد كانت قضية حياة أو موت بالنسبة له.
منظومة الإيقاع والسيطرة
لم تكن قضية إبستين مجرد انحراف شخصي، بل كانت “مصيدة” ممنهجة للإيقاع بأكثر الشخصيات نفوذًا في العالم، من قادة ماليين واقتصاديين وإعلاميين وأكاديميين. حتى رؤساء الجامعات المرموقة مثل هارفارد كانوا جزءًا من هذه الشبكة.
كانت هذه العملية بمثابة أكبر اختراق أمني للولايات المتحدة في تاريخها. لو تكلم إبستين، لتغير شكل أمريكا والعالم. لقد كانت شبكته، التي أدارتها جزلين ماكسويل (ابنة رجل الأعمال روبرت ماكسويل المرتبط بالموساد)، تصطاد الفتيات لاستخدامهن في الإيقاع بالشخصيات المستهدفة.
كانت المنظومة تعمل وفق سياسة “العصا والجزرة”. كل شخصية مستهدفة لديها ملف كامل، صور ومقاطع فيديو، يتم استخدامه لابتزازه. أمثلة على طلبات الابتزاز:
- “نريد الاعتراف بالجولان أرضًا إسرائيلية.”
- “نريد نقل العاصمة إلى القدس.”
- “اذهب واضرب العراق.”
- “اعترف بدولة جديدة اسمها صوماليلاند.”
من كان يجرؤ على الاتصال بترامب وإعطائه الأوامر لولا أنه كان في حالة ابتزاز قصوى؟
الانهيار الأخلاقي والسياسي
تجاوزت الفضيحة مجرد كونها قضية تجسس لتكشف عن انهيار أخلاقي عميق لدى النخبة الحاكمة. هؤلاء الذين يتحكمون في اقتصاد العالم وسياساته غارقون في وحل الفساد الأخلاقي.
هذا الوضع يذكرنا بنظرية ابن خلدون، التي تقول إن الدول والمجتمعات عندما تصل إلى حالة الترف المفرط، تدخل في مرحلة الفساد التي تسبق الانهيار. إنها ليست فضيحة أشخاص، بل فضيحة سياسات دول قائمة على الهيمنة المطلقة لرأس المال العالمي.
في عالم أحادي القطب، يستخدم رأس المال كل الأسلحة المتاحة لتحقيق الهيمنة: الإرهاب، الجنس، والمخدرات. لقد دخلنا عالمًا فقد كل قيمه الأخلاقية، حيث لم تعد هناك “أخلاق” بل مجرد مصالح. إن ما يحدث في فلسطين، العراق، سوريا، وحتى تونس، هو جزء من هذه المعركة الكبرى للهيمنة.
لقد ساهمنا في منطقتنا في كسر التوازن الدولي، واليوم نجني ثمار هيمنة جانب واحد على السياسات الدولية، بينما يقف العالم متفرجًا على الجلادين والضحايا على حد سواء.