تخيل خيمة بدوية منصوبة من وبر الإبل داخل قصر تبلغ قيمته مليارات الدولارات في قلب مانهاتن. لم تكن تلك الخيمة مجرد قطعة ديكور، بل كانت غرفة العمليات التي أُديرت منها نصف صفقات العالم السرية. يوم الجمعة، 30 يناير 2026، كشفت وزارة العدل الأمريكية عن 3.5 مليون وثيقة تتعلق بجفري إبستين وألقتها في وجه العالم. هرع الجميع للبحث عن فضائح جنسية، ومن لم يجد شيئًا بدأ في نسج قصص من الخيال. وسط هذه الضجة، ضاعت الحقيقة الأهم والكارثة الأكبر.
في هذا المقال، لن نتحدث عن شبكات الدعارة التي كان يديرها إبستين، بل سنتناول ما هو أخطر: من هم شركاؤه؟ سنتحدث عن “السنترال” الذي كان يربط بين آبار النفط في الخليج، وخوادم التجسس في تل أبيب، وخزائن الأموال في وول ستريت. ليس المهم معرفة أسماء من زاروا جزيرة إبستين، بل الأهم هو الإجابة على سؤال: هل كان إبستين مجرد قوّاد للأغنياء، أم كان أخطر عميل مخابرات في القرن الحادي والعشرين؟ ومن الذي حل محله اليوم؟
رائحة الأسرار المدفونة
هل تعرف تلك الرائحة العفنة التي تنبعث عند فتح قبو مهجور منذ خمسين عامًا؟ رائحة ورق أصفر تآكل بفعل الرطوبة، وجدران متشققة، وفئران ميتة بين الأنقاض. تلك هي رائحة الأسرار التي كان يجب أن تبقى مدفونة. هذه الرائحة هي التي ضربت العالم بأسره صباح يوم الجمعة الماضي.
تخيل أنك تسير في شارع 71 بقلب مانهاتن، وفجأة تجد نفسك أمام القصر رقم 9، قصر جفري إبستين. من الخارج، يبدو المبنى الكلاسيكي الأنيق وكأن ساكنه لورد إنجليزي. تدخل لتجد على الجدران لوحات فنية غريبة وغير مريحة، وبجانبها صور لإبستين وهو يضحك مع رؤساء وملوك ونجوم سينما. جميع من يظهرون على شاشات التلفزيون ليلقوا علينا المواعظ كانوا هنا، مصورين معه بابتسامة صفراء، وكأنهم أُجبروا على التقاط الصورة.
خيمة في قلب مانهاتن
تواصل السير في الممر، مرورًا بغرف وصالونات ومكاتب، كل شيء في المكان يصرخ بأن صاحبه فاحش الثراء ولا يخشى أحدًا. في نهاية الممر، ترى أغرب مشهد يمكن تخيله: خيمة بدوية مصنوعة من وبر الجمال، منصوبة في وسط غرفة ضخمة، والأرض مفروشة بسجاد إيراني أحمر، ورائحة بخور خفيفة لا تزال عالقة في الهواء. أنت في قلب مانهاتن، داخل قصر واحد من أقوى رجال العالم، وأمامك خيمة بدوية.
لم يكن هذا ديكورًا أو نزوة من نزوات الأثرياء. كانت هذه الخيمة هدية وصلت إلى إبستين بعد زيارة للرياض في أواخر عام 2016. كانت مكتبه الحقيقي، القناة الخلفية التي تربط بين حكام الخليج وأباطرة وول ستريت، بين آبار النفط وشركات التكنولوجيا في كاليفورنيا.
سياسة الإغراق بالمعلومات
كان العالم ينتظر قائمة بأسماء كل المتورطين في حفلات إبستين. كان الشارع العربي يتساءل بلهفة: “هل هناك أسماء عربية؟”. اعتقد الناس أن الأمر سيكون مجرد ورقة معلقة على باب المحكمة، لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.
عندما يرغب مدبرو الأمور في إخفاء شيء، فإنهم لا يضعونه في خزنة، بل يخفونه وسط الضجيج. لهذا السبب، ألقت وزارة العدل الأمريكية 3.5 مليون وثيقة في وجه الناس. صرح نائب المدعي العام الأمريكي بأن هذه الأوراق لو وُضعت فوق بعضها لشكلت برجين بحجم برج إيفل. هذه ليست شفافية، بل هي عملية تضليل مدروسة.
ملاحظة: سياسة “الإغراق بالمعلومات” هي تكتيك معروف: لقتل الحقيقة، أغرقها في تفاصيل لا قيمة لها.
ألقوا للناس فواتير غسيل، قوائم طعام للكلاب، حجوزات طيران عادية، وأسماء أشخاص لم يفعلوا شيئًا. الهدف هو جعل الصحفيين والباحثين يقضون سنوات في قراءة أوراق لا طائل منها، حتى يموت “الترند” وتُنسى القضية. ونجحت الخطة بامتياز. انشغل الجميع بالبحث عن “من نام مع من؟”، ونسوا السؤال الأهم: “من يحكم من، ومن يتحكم في من؟”.
لقد اختزلوا الكارثة في سلوك منحرف لأفراد، حتى لا نرى أن هذا هو النظام نفسه، وأن هذه هي الطريقة التي يسير بها الكوكب.
سنترال العالم الجديد
لفهم الصورة الكاملة، يجب أن نعود إلى الخيمة. لم يكن إبستين مجرد شخص يوفر “بضاعة” للأثرياء. لقد كان “سنترال” العالم. في الماضي، كان موظف السنترال يربط المكالمات الهاتفية يدويًا، فيصل خطًا من طنطا بخط في الإسكندرية. كان إبستين يقوم بنفس الدور، لكنه كان يوصل خطوط النفوذ.
- سلك من تل أبيب وآخر من الرياض.
- سلك من لندن وآخر من وادي السيليكون.
كان هو السنترال الذي تمر عبره كل الخطوط. تأتيه مكالمة من الرياض: “نريد التحدث إلى واشنطن، ولكن بشكل غير رسمي”. فيقوم هو بتوصيل الخط. تأتيه مكالمة من تل أبيب: “نريد جس نبض لندن”. فيقوم بتوصيل الخط.
قوته لم تكن في أمواله، التي لا يزال مصدرها مجهولاً، بل في كونه هو من يمسك بـ”الفيشة”. كان وسيطًا تحت الطلب:
- عالم يريد جائزة نوبل؟ إبستين يعرف عضوًا في اللجنة.
- رئيس دولة يريد مقابلة الرئيس الأمريكي؟ إبستين لديه رقمه الشخصي.
- أمير عربي يريد شراء بنك في سويسرا؟ إبستين ينهي له الأمر.
لم يكن يبيع الفتيات فقط، بل كان يبيع مفاتيح الأبواب المغلقة. والثمن لم يكن دائمًا مالاً، بل قد يكون معلومة، خدمة، أو السكوت عن فضيحة. كانت الفتيات مجرد “مقبلات” قبل الطبق الرئيسي: السلطة، النفوذ، التحكم.
الخط الساخن إلى تل أبيب
كان هناك خط ساخن مفتوح دائمًا في سنترال إبستين، خط متجه إلى تل أبيب. كشفت الوثائق الجديدة عن علاقة جفري إبستين بإيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق. زار باراك إبستين أكثر من 30 مرة، وكان يقيم في شققه ويستخدم طائرته الخاصة.
ما الذي يدفع جنرالاً بحجم باراك، بحسه الأمني العالي، ليربط نفسه بشخص مشبوه مثل إبستين، خاصة بعد فضيحته عام 2008؟ الإجابة: “البزنس”.
تكشف رسائل البريد الإلكتروني عن مناقشات حول شركة Carbyne911، التي كان باراك رئيس مجلس إدارتها واستثمر فيها إبستين الملايين. كانت الشركة تطور أنظمة تحديد مواقع لخدمات الطوارئ. تخيل أن سمسار ابتزاز وجنرال مخابرات يسيطران على البيانات التي تحدد موقع أي شخص يتصل بالنجدة في أمريكا، مع القدرة على فتح كاميرا وميكروفون هاتفه. هذا ليس بزنس، بل عملية اختراق للأمن القومي الأمريكي.
كما تظهر المراسلات حديثًا عن الملاريا وتكنولوجيا طبية، مما يثير الشكوك حول إنشاء قاعدة بيانات بالبصمات الوراثية (DNA) لنخب وقادة العالم. في عالم المخابرات، الـ DNA كنز يسمح لك بمعرفة نقاط ضعف أي زعيم وتصميم “سم” مخصص له.
العين على خزنة الخليج
لم يكتفِ إبستين بابتزاز الغرب، بل كانت عينه على الخزنة الكبرى: الخليج. تفسر الوثائق رحلته إلى الرياض في أواخر 2016. في ذلك الوقت، كان ولي العهد السعودي قد بدأ حملته الترويجية لرؤية 2030، وكان بحاجة إلى شركاء غربيين. ذهب إبستين إليهم مرتديًا قناع “العراب”، وقال لهم: “أنا مفتاح أمريكا. سأحضر لكم إيلون ماسك وبيل جيتس”. باعهم الوهم، وهم اشتروا منه، عالمين بسمعته جيدًا.
من هذه الرحلة عاد بالخيمة التي نصبها في قصره. كان يستخدمها في لعبة خداع متبادل: يجلس مع المستثمرين الأمريكيين في الخيمة ليقول لهم إنها هدية من صديقه الأمير، ليظهر نفوذه. وفي المقابل، يستخدم أسماء المستثمرين الغربيين ليحصل على أموال من صناديق الاستثمار السيادية الخليجية.
عندما يتزوج المال بالعلم
لتكتمل أركان الجريمة، كان لا بد أن يتزوج المال بالعلم. إيلون ماسك، بيل جيتس، أيقونات المستقبل، هل كانوا بعيدين عن هذه الشبكة؟
ظهر بريد إلكتروني من عام 2012 يسأل فيه إيلون ماسك جفري إبستين: “متى ستكون أكثر حفلاتك جنونًا في الجزيرة؟”. إنه لا يكتفي بمعرفة أن هذه الحفلات تتجاوز كل الخطوط الحمراء، بل يريد “الأكثر جنونًا”.
كان إبستين يتبرع بملايين الدولارات لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة هارفارد. لماذا؟ ليقف ويتصور بجانب عالم فيزياء حائز على نوبل أو بجانب بيل جيتس، فتنسى أنه تاجر بشر وتقول عنه “فاعل خير وراعي للعلم”. لقد قبل هؤلاء المشاركة في اللعبة، وأخذوا الأموال، وحضروا الحفلات، وتغاضوا عن مصدرها.
ذيل السحلية
جفري إبستين لم يكن فيروسًا أصاب النظام العالمي، بل كان عرضًا لمرض مزمن. لقد مات إبستين، لكن زبائنه لا يزالون في أماكنهم. إيهود باراك لا يزال يحلل استراتيجيات الحرب على شاشات التلفزيون، وإيلون ماسك لا يزال أغنى رجل في العالم.
لقد ضحى النظام العالمي بـ “ذيل السحلية” (إبستين) لتبقى الرأس حية. عندما تمسك سحلية من ذيلها، فإنها تقطعه وتهرب، ثم ينمو لها ذيل جديد. كانت هذه الوثائق هي عملية بتر الذيل. يقولون لنا: “الوحش مات، والعدالة تحققت، اذهبوا وناموا”.
لكن الحقيقة المرة هي أن الآلة التي صنعت إبستين لا تزال تعمل. آلة تسليع البشر التي ترى الفتاة الفقيرة سلعة، والسياسي أداة، والعالم موظفًا. آلة تجعل الواسطة والابتزاز هما دستور الكوكب الحقيقي.
في النهاية، لا تدع الضجيج ينسيك أصل الحكاية. بالنسبة للكبار الذين يديرون العالم، لم يكن إبستين شريكًا، بل كان مجرد “قفاز” لبسوه ليمدوا أيديهم في بالوعة مصالحهم دون أن تتسخ. وعندما أصبح القفاز نفسه أقذر من البالوعة، تخلصوا منه.
لكنهم لم يحسبوا حساب أن هذا القفاز كان مزودًا بكاميرا. والسؤال المرعب الآن: من يا ترى ورث أرشيف إبستين بعد موته؟ من هو الطرف الثالث الذي يمسك الآن بنصف حكام العالم من مواطن ضعفهم؟