في عالم السياسة والمال، المعلومة هي القوة. لكن ماذا لو اجتمعت كل الأسرار المشينة لقادة العالم، ملوكه، وأغنى رجاله في يد رجل واحد؟ هذا الرجل لم يكن رئيساً لدولة عظمى أو قائداً لجيش، بل مجرد سمسار غامض يرتدي بدلات باهظة الثمن ويمتلك ابتسامة صفراء تخفي خلفها أنياب ذئب مفترس. جيفري إبستين، الاسم الذي يرتجف عند ذكره ساكنو البيت الأبيض ويقلق أمراء القصور الملكية في لندن ويتوتر أباطرة التكنولوجيا في وادي السيليكون.
كيف بنى هذا الرجل إمبراطورية الابتزاز الأكبر في التاريخ؟ وكيف تمكن من اختراق غرف نوم النخبة؟ ولماذا بعد سنوات من الحماية المطلقة والحصانة التي لا تصدق، قرر النظام فجأة سحب الغطاء عنه؟ السؤال الأهم الذي يطرحه الملايين ولا يجرؤ أحد على الإجابة عليه بصراحة: ما الذي حدث بالضبط في تلك الزنزانة الباردة في مانهاتن ليلة العاشر من أغسطس؟ هل انتحر حقاً، أم أن القصة الحقيقية كان يجب أن تموت معه؟ في هذا المقال، سنعيد تركيب مسرح الجريمة، ونفتح الوثائق التي حاولوا حرقها، ونقرأ الأسماء التي حاولوا شطبها. استعدوا لرحلة في الجانب المظلم جداً من عالمنا، الجانب الذي لا ترونه في نشرات الأخبار.
الصعود الغامض: من مدرس إلى صياد المليارديرات
لم يملك تاريخاً، ولا شهادة، ولا عائلة ثرية. فمن دفع فاتورة صعوده إلى القمة؟ لفهم سقوطه، يجب أن نحلل صعوده أولاً. قصة جيفري إبستين تبدأ بغرابة شديدة لا يمكن تفسيرها بالمنطق العادي. نحن نتحدث عن شاب من بروكلين، بخلفية متواضعة وتعليم جامعي غير مكتمل، يجد نفسه فجأة في منتصف السبعينات يعمل مدرساً لمادتي الرياضيات والفيزياء في مدرسة دالتون. قد يبدو الأمر عادياً، لكن دالتون ليست مدرسة عادية؛ إنها المدرسة التي يرسل إليها أباطرة العالم أبناءهم. هناك، بدأ إبستين أولى خطواته في بناء شبكة علاقاته، ليس مع الطلاب، بل مع آبائهم فاحشي الثراء.
القفزة الأكثر جنوناً حدثت بعد ذلك بقليل. من مدرس بسيط، انتقل للعمل في بنك “بير ستيرنز” الاستثماري في قلب وول ستريت. في هذا العالم الشرس، لا مكان للهواة ولا مكان لمن لا يملكون شهادات عليا من جامعات النخبة. لكن إبستين كسر كل القواعد. صعد بسرعة الصاروخ ليصبح شريكاً محدوداً في البنك. من كان يدفعه من الخلف؟
في الثمانينيات، أسس شركته الخاصة وبدأ يسوق نفسه بلقب غريب: “صياد المليارديرات”. كان يقول بوضوح: “أنا لا أقبل عميلاً يملك أقل من مليار دولار”. وهنا تظهر الفجوة الكبرى في قصته؛ فمصادر أمواله كانت دائماً مجهولة. بداياته الحقيقية كانت مع رجل يدعى ستيفن هوفنبرج، الذي أدار واحدة من أكبر عمليات الاحتيال الهرمي (Ponzi Scheme) في تاريخ الولايات المتحدة قبل بيرني مادوف. المثير للدهشة أن هوفنبرج عندما سقط، سقط وحده. دخل السجن لسنوات طويلة، بينما اعترف للصحفيين من زنزانته قائلاً: “جيفري إبستين كان شريكي، بل كان هو العقل المدبر لكل العمليات المالية القذرة”. ومع ذلك، لم يتم استدعاء إبستين للتحقيق ولو لمرة واحدة. خرج من الفضيحة بمئات الملايين من الدولارات المنهوبة وسجل جنائي ناصع البياض. كانت هذه هي الرسالة الأولى للعالم: هذا الرجل ليس مجرد لص، بل هو شخص محمي من جهة أقوى من القانون نفسه.
العلاقة التي كشفت المستور: واجهة الموساد؟
للإجابة عن سؤال “من يحميه؟”، يجب أن ننظر إلى الرجل الذي وقف خلف إبستين لثلاثين عاماً: الملياردير الأمريكي اليهودي ليزلي ويكسنر. ويكسنر ليس مجرد تاجر يملك “فيكتوريا سيكريت”، بل هو أحد أعمدة الاقتصاد الأمريكي وأحد أبرز وأقوى داعمي اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. العلاقة بينهما كانت أغرب من الخيال.
منح ويكسنر لإبستين ما يسمى “توكيلاً عاماً مطلقاً” (Power of Attorney). قانونياً، هذا يعني أن إبستين كان يملك الحق في بيع كل ممتلكات ويكسنر، شراء العقارات باسمه، التصرف في حساباته البنكية، وحتى توقيع الشيكات نيابة عنه دون الرجوع إليه. هل يوجد ملياردير عاقل يسلم شيكاً على بياض لحياته كلها لشخص نكرة ومشبوه مثل إبستين؟ الإجابة هي لا، إلا إذا كان هذا “أمر عمليات”.
التقارير الاستخباراتية والكتب الحديثة، مثل كتاب “إبستين: ظل الموساد”، تشير بوضوح إلى أن ويكسنر كان هو المجند أو واجهة التمويل. الدليل الأكبر هو قصر إبستين الأسطوري في مانهاتن، المبنى رقم 9 في شارع 71 شرق، والذي يعد أكبر منزل خاص في مدينة نيويورك. هذا القصر كان ملكاً لويكسنر، وفجأة تم نقل ملكيته لإبستين مقابل مبلغ زهيد، كأنه هدية. هذا القصر لم يكن منزلاً للسكن، بل تم تجهيزه ليكون مصيدة: شبكة من الكاميرات المخفية، غرف مجهزة، وأنظمة صوتية متطورة. الأدلة تصرخ بأنه كان يدير عملية استخباراتية كلاسيكية لجمع المعلومات عبر “مصيدة العسل” (Honey Trap)، وكان الهدف هو الرؤوس الكبيرة. لم يكن يبحث عن المتعة، بل عن الوثائق التي ستمسك برقاب الجميع.
الشريكة الميدانية: الوريثة التي أدارت الشبكة
لكي تكتمل الجريمة، كان لا بد من وجود شريك ميداني. هنا يبرز دور المرأة الأخطر في القصة: جيسلين ماكسويل. هي ليست مجرد عشيقة، بل ابنة روبرت ماكسويل، إمبراطور الإعلام البريطاني الذي حين مات غرقاً في ظروف غامضة، أقيمت له جنازة رسمية في إسرائيل حضرها قادة الاستخبارات اعترافاً بجهوده الأمنية.
جيسلين ورثت الصنعة عن أبيها. هي التي نظمت وطورت شبكة الاتجار بالبشر. النظام الذي وضعته كان مرعباً في بساطته ووحشيته، ويشبه نظام التسويق الهرمي:
- الاستدراج: كانت تستدرج فتاة قاصراً تعاني من مشاكل مادية أو أسرية بحجة العمل لابستين.
- التوريط: بعد توريط الفتاة وكسر حاجزها النفسي، يُطلب منها إحضار صديقاتها وأخواتها.
- المكافأة: مقابل كل فتاة جديدة تحضرها، ستحصل على مكافأة مالية (حوالي 200 دولار).
وهكذا، تحولت الضحايا إلى أدوات لجلب ضحايا جدد. لكن الهدف لم يكن إشباع رغبات إبستين المريضة فقط. الفتيات كن “البضاعة” التي يتم تقديمها للضيوف الكبار في الحفلات الخاصة: رؤساء دول، علماء حائزون على جائزة نوبل، ممثلون من هوليوود، وأمراء من العائلة المالكة. كلهم دخلوا تلك الغرف، وما لم يدركوه، أو ربما تجاهلوه، هو أن الجدران لها عيون. التحقيقات اللاحقة كشفت وجود أقراص صلبة وشرائط فيديو لا حصر لها. كل لقاء، كل تجاوز، كل لحظة ضعف كانت موثقة. هذا الأرشيف كان هو بوليصة التأمين التي جعلت إبستين يتجول في أروقة السلطة لسنوات طويلة، وهو يضحك في وجه الجميع لأنه يعرف أنه يملك القوة لتدميرهم.
صفقة العار: عندما يكون القانون في خدمة المجرم
في عام 2005، بدأت الحصانة تتآكل، ليس بفعل فاعل، بل بسبب غضب أم في منطقة بالم بيتش رفضت الصمت بعد اكتشاف ما تعرضت له ابنتها القاصر (14 عاماً) داخل قصر إبستين. تحركت الشرطة المحلية وداهمت القصر. وصف المحققون ما وجدوه بأنه “بيت دعارة للأطفال من الدرجة الأولى”. وجدوا طاولات مساج، ألعاباً غريبة، وأدلة مادية لا يمكن دحضها. لكن شيئاً مريباً جداً حدث: أجهزة الكمبيوتر المركزية ووحدات تخزين الكاميرات كانت قد انتُزعت من أماكنها واختفت قبل وصول الشرطة بدقائق. من سرب له خبر المداهمة؟
رغم الأدلة التي كانت تكفي لسجنه مدى الحياة، حدثت المعجزة السياسية. في عام 2007، تدخل المدعي العام الفيدرالي وقتها، ألكسندر أكوستا، وأبرم مع فريق محامي إبستين ما عُرف إعلامياً بـ “صفقة العار” (The Sweetheart Deal). لنستعرض بنودها لنفهم حجم النفوذ:
- حصانة فيدرالية كاملة: مُنح إبستين حصانة كاملة من الملاحقة القضائية.
- حماية الشركاء: الأخطر من ذلك، مُنحت الحصانة لأي “متآمر محتمل”، مما يعني حماية كل الأسماء الكبيرة التي شاركته.
- حكم مخفف: حكم عليه بالسجن لمدة 13 شهراً فقط.
- إجازة من السجن: سُمح له بالخروج من السجن ستة أيام في الأسبوع، لمدة 12 ساعة يومياً، بدعوى العمل في مكتبه الخاص.
هل سمع أحد في حياته عن سجين يخرج للعمل في قصره ويعود للنوم في السجن؟ لقد عومل كعميل سري رفيع المستوى يجب الحفاظ عليه. وعندما سُئل أكوستا لاحقاً عن سبب موافقته على هذه المهزلة، قال جملة للتاريخ: “قيل لي إنه يخص الاستخبارات، وأن هذا الأمر أكبر من مستواي”. اعتراف رسمي بأن إبستين كان مشروعاً استخباراتياً.
الموت في الزنزانة: انتحار أم تصفية؟
مرت عشر سنوات ظن فيها إبستين أن العاصفة انتهت. لكن في 2019، تغيرت الرياح السياسية. مع صعود حركات مثل #MeToo والصراعات السياسية الطاحنة في واشنطن، أصبح إبستين ورقة محروقة. في يوليو 2019، اعتُقل فور هبوط طائرته الخاصة القادمة من باريس في مطار نيوجيرسي. هذه المرة، لم يكن هناك أكوستا لينقذه. اقتحموا منزله في نيويورك ووجدوا الكنز الأسود: آلاف الصور، أقراص مدمجة بأسماء مشاهير، وجوازات سفر مزورة.
تم وضعه في سجن متروبوليتان شديد الحراسة في مانهاتن. الجميع كان ينتظر المحاكمة. الجميع كان ينتظر قائمة الأسماء. ولكن في صباح العاشر من أغسطس 2019، استيقظ العالم على خبر عاجل: العثور على جيفري إبستين ميتاً في زنزانته. الرواية الرسمية؟ انتحر بشنق نفسه بملاءة سرير.
دعونا نضع الرواية الرسمية جانباً وننظر للحقائق الجنائية التي تجعل كلمة “انتحار” مثيرة للسخرية:
- الكاميرات المعطلة: كاميرات المراقبة الموجهة لباب زنزانته تعطلت فجأة في تلك الليلة تحديداً ولم تسجل شيئاً. صدفة؟
- الحراس النائمون: الحارسان المكلفان بمراقبته كل 30 دقيقة ناما في نفس الوقت، ثم قاما بتزوير السجلات لاحقاً. صدفة أخرى؟
- الزنزانة الفارغة: زميله في الزنزانة تم نقله قبل الحادث بيوم واحد، ليبقى إبستين وحيداً تماماً.
- الدليل الدامغ: خبير الطب الشرعي الشهير، الدكتور مايكل بادن، الذي حضر التشريح ممثلاً لعائلة إبستين، كشف أن العظمة اللامية (Hyoid bone) في رقبته كانت مكسورة في ثلاثة مواضع. طبياً، هذا النوع من الكسور نادر جداً في حالات الشنق، ولكنه العلامة المميزة والدامغة لحالات الخنق اليدوي.
الرسالة كانت واضحة كالشمس: إبستين كان ينوي الكلام وكان بصدد عقد صفقة لتخفيف الحكم مقابل فضح الكبار. والأموات لا يتكلمون. هذه كانت الطريقة الوحيدة لغلق الملف.
صندوق باندورا يُفتح: الوثائق تفضح الجميع
ظنوا أن بموته ماتت الأسرار، لكن الوثائق عادت من القبر لتطاردهم. مؤخراً، وبسبب ضغط قضائي وقوانين الشفافية، تم الإفراج عن الدفعة الأخيرة والأخطر من وثائق المحكمة. هذه الوثائق لا تحتوي على تخمينات، بل شهادات تحت القسم ومراسلات موثقة. إليكم ما كشفته هذه الأوراق عن الثلاثي الكبير:
- ملف دونالد ترامب: الوثائق، وتحديداً الملف رقم
EFT-066-0679، تحتوي على تفاصيل صادمة. إحدى الضحايا، واسمها في الملف “جين دو 107”، شهدت بأنها كانت في الرابعة عشرة من عمرها عندما تم إجبارها على ممارسات مشينة مع ترامب في قصر إبستين بنيويورك. الضحية روت تفاصيل دقيقة وقالت إنها حاولت الدفاع عن نفسها وعضت يده، فقام بضربها. كما تشير الوثائق إلى أن ترامب كان ضيفاً دائماً في حفلات منتجع مارالاغو، حيث كان يتم جلب فتيات قاصرات للتنافس عليهن في مزادات مريضة. - ملف بيل كلينتون: الرئيس الأمريكي الأسبق، الذي كان يلقب نفسه بـ “صديق إبستين المقرب”. أظهرت الوثائق سجلات رحلات الطيران التي تؤكد سفره المتكرر على طائرة إبستين الخاصة المسماة “لوليتا إكسبريس”. والأخطر، شهادة إحدى الضحايا التي قالت إن إبستين أخبرها صراحة: “كلينتون يحبهن صغيرات السن”، في إشارة مرعبة لميوله.
- ملف الأمير أندرو: الوثائق والصور كانت الضربة القاضية لابن ملكة بريطانيا. شهادات الضحية فيرجينا جوفري وصفت بدقة وشماً معيناً على جسد الأمير لا يعرفه إلا من رأى هذا الوشم، وتحدثت عن دمية كان يمسك بها بجوارها. هذه التفاصيل أجبرت القصر الملكي على تجريده من كل ألقابه العسكرية والملكية وطرده من الحياة العامة في خزي وعار.
ولم يتوقف الأمر هنا. رسائل البريد الإلكتروني المفرج عنها أظهرت تواصلاً مباشراً بين إبستين ومليارديرات التكنولوجيا مثل بيل جيتس وإيلون ماسك، حتى بعد إدانته الأولى. كان إبستين يهدد بيل جيتس بفضح علاقات غرامية سابقة له مع فتاة روسية، وكان يرسل لإيلون ماسك عروضاً لزيارات خاصة.
السلاح النووي السياسي: لماذا الآن؟
هذه التسريبات ليست مجرد عدالة متأخرة، إنها ورقة ضغط سياسية بامتياز. السؤال الذكي الذي يجب أن نطرحه هو: لماذا يتم تسريب هذه الوثائق الآن بالذات؟ بحسب التحليلات والتقارير السياسية، التوقيت ليس بريئاً. نحن نعيش في عالم يغلي بالصراعات، من الحرب في غزة إلى التوتر مع إيران والانتخابات الأمريكية على الأبواب.
هناك نظرية قوية تقول إن هذه الملفات هي سلاح نووي في السياسة الداخلية الأمريكية. اللوبي الذي صنع إبستين (شبكة ويكسنر والموساد) لا يزال يمتلك الأرشيف الأصلي. وما يتم تسريبه الآن هو مجرد “قرصة أذن”. الرسالة لترامب ولغيره من السياسيين واضحة: “نحن نملك عليكم أدلة تدينكم وتدمر مستقبلكم. نفذوا ما نطلبه سياسياً، وإلا سنفتح الصندوق الأسود بالكامل”.
إبستين لم يكن مجرد قواد للأثرياء، بل كان سلاحاً استراتيجياً تم زرعه بعناية للسيطرة على القرار السياسي العالمي عبر الابتزاز.
جريمة العصر
الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها هي أننا أمام جريمة العصر. جريمة تكشف لنا أن العالم لا يدار من قاعات المؤتمرات والبرلمانات، بل يدار من الغرف المغلقة ومن خلال التهديد والابتزاز الجنسي. قد يكون جيفري إبستين قد مات أو قُتل، ولكن الشبكة التي بناها لا تزال قائمة، والاسماء التي ظهرت في الوثائق لا تزال تحكم وتتحكم في مصير الملايين. هل تحققت العدالة بموته؟ بالطبع لا. العدالة الحقيقية لن تتحقق إلا عندما نرى هؤلاء الكبار خلف القضبان، وهو أمر يبدو مستحيلاً في ظل موازين القوى الحالية. القصة لم تنتهِ يا سادة، فما خفي أعظم.