href="https://fonts.googleapis.com/css2?family=Aref+Ruqaa:wght@400;700&family=Outfit:wght@300;400;500;600;700&family=Playfair+Display:ital,wght@0,400;0,600;0,700;1,400&family=Tajawal:wght@300;400;500;700;800&family=Pinyon+Script&display=swap" rel="stylesheet">

جيفري إبستين: الصعود الغامض والسقوط المروع لشبكة الاتجار بالبشر

Ibn Hamdoun 2026-01-05 9 دقيقة

كيف يمكن لإنسان أن يظهر بمظهر عادي، بينما يخفي في أعماقه وحشًا لا يعرف للرحمة معنى؟ هذا هو جيفري إبستين، الشخصية التي نسجت شبكة إجرامية معقدة للاتجار بالبشر وارتكاب جرائم جنسية مروعة ضد أطفال قاصرين. امتدت خيوط شبكته لتصل إلى مشاهير وسياسيين في أعلى مستويات الحكومة الأمريكية، بل وتجاوزتها إلى أبعد من ذلك. فمن هو جيفري إبستين حقًا؟ ما هي حقيقة جزيرته الغامضة؟ وما الذي تحتويه “قائمة إبستين” الشهيرة؟

البدايات: من طالب هادئ إلى مدرس مثير للجدل

وُلد جيفري إدوارد إبستين في بروكلين، نيويورك، عام 1953 لأسرة يهودية من الطبقة المتوسطة. كانت حياة عائلته عادية تمامًا، وتتمتع بسمعة طيبة بين جيرانها. كان جيفري نفسه شابًا ذكيًا، هادئ الطباع، لا تفارق الابتسامة وجهه. تفوقه الدراسي سمح له بالتخرج مبكرًا من الثانوية والالتحاق بالجامعة لدراسة الرياضيات. لكن مسيرته الأكاديمية كانت متقطعة؛ ترك جامعته الأولى بعد عامين، ثم انتقل إلى أخرى ليتركها أيضًا بعد ثلاث سنوات، لينتهي به المطاف بلا أي شهادة جامعية.

رغم ذلك، وبشكل يثير التساؤل، حصل على وظيفة كمدرس في إحدى المدارس الثانوية المرموقة في مانهاتن، والتي كانت مخصصة لأبناء الأثرياء ورجال الأعمال. هناك، بدأت شخصية إبستين تتغير. بدأ يرتدي ملابس غريبة لا تتناسب مع بيئة العمل التعليمية، كمعطف من الفرو وقلادة ذهبية، متجاهلاً قواعد المدرسة تمامًا. اعتبره الكثيرون ذا تأثير سيء على الطلاب، وهو ما أدى في النهاية إلى طرده.

عالم المال: صعود سريع وطرد غامض

بعد أشهر قليلة من طرده في عام 1976، وجد إبستين طريقه إلى عالم وول ستريت، حيث عمل في شركة الاستثمار العملاقة “بير ستيرنز” كمساعد مبتدئ. في خطوة غير مألوفة على الإطلاق لشخص لا يملك شهادة جامعية، ترقى في الشركة خلال أربع سنوات فقط. لكن الأغرب من ذلك هو أنه بعد عام واحد فقط من ترقيته، طُلب منه تقديم استقالته وطُرد أثناء تحقيق داخلي غامض أجرته الشركة.

لم يتوقف طويلاً، بل اتجه مباشرة للانخراط في “شركة تاورز المالية”. هنا، بدأت القصة الحقيقية لإبستين تتكشف. كانت “تاورز” في جوهرها شركة احتيال ضخمة تعمل بنظام “بونزي” الوهمي، حيث كانت تأخذ الأموال من المستثمرين مع وعود بأرباح خيالية. عندما انهار النظام وفشلت الشركة في سداد أموال المستثمرين، انفجرت الفضيحة وأدت إلى اعتقال صاحبها، ستيفن هوفنبرج. اعترف هوفنبرج بأن إبستين كان شريكًا كاملاً في عمليات النصب. والمفاجأة؟ حُكم على هوفنبرج بالسجن لمدة 20 عامًا، بينما خرج إبستين من القضية دون أن توجه له أي تهمة، ليظهر مجددًا وكأن شيئًا لم يكن.

شبكة الاحتيال والعلاقات المشبوهة

هذه القدرة على الإفلات من العقاب أثارت شكوك الكثيرين. ذكر بعض أصدقائه وشركائه وصحفيون أنه من المحتمل أن إبستين كان يعمل كعميل سري، لكن لم يتم تحديد الجهة التي كان يعمل لصالحها.

تزداد القصة غموضًا في فترة منتصف إلى نهاية الثمانينات. أثناء عمله في “تاورز”، كان إبستين يعمل أيضًا مع عدنان خاشقجي، تاجر الأسلحة ورجل الأعمال السعودي الذي كانت تربطه علاقات قوية بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) والموساد الإسرائيلي. كان خاشقجي معروفًا بدوره كوسيط في صفقة “إيران-كونترا” لتهريب الأسلحة من الولايات المتحدة إلى إيران. وفوق كل ذلك، كان إبستين يمتلك جواز سفر نمساويًا مزورًا يحمل أختامًا من دول مختلفة في الشرق الأوسط.

حتى هذه النقطة، لا شيء يبدو منطقيًا. كيف لشخص بلا شهادة أن يعمل في مدرسة راقية، ثم في شركة استثمار كبرى، ثم يخرج من عملية نصب هائلة، ويزور جواز سفر، ويعمل مع تجار أسلحة دوليين، كل هذا دون أن يُعاقب؟ بل على العكس، كان يزداد ثراءً ونفوذًا بعد كل أزمة.

بناء الإمبراطورية: المليارات والأصدقاء النافذون

بعد هذه المرحلة، أسس إبستين شركته المالية الخاصة “J. Epstein & Co”، لكنها كانت حصرية للغاية؛ لا تقبل أي عميل تقل ثروته عن مليار دولار. كان أول عميل له هو ليزلي ويكسنر، الذي وُصف بـ”الشيطان نفسه” في عالم الأعمال، والذي قدم دعمًا ماليًا غير محدود لإبستين.

مع بداية التسعينات، أصبح إبستين إمبراطورًا بحق. كان يتجول حول العالم بطائرته الخاصة الفاخرة، ويشتري عقارات بملايين الدولارات. لكن اسمه ظل بعيدًا عن عامة الناس ومجلات الأثرياء مثل “فوربس”. لم يكن لديه مكتب رسمي، أو تصريحات أعمال، أو قائمة معلنة بأسماء عملائه. كانت شبكته تعمل في الخفاء، بين الأشخاص الذين يعرفهم فقط.

بنى علاقات وثيقة مع شخصيات نافذة، من بينهم دونالد ترامب، والأمير أندرو (أمير إنجلترا)، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كما أظهرت صور نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرًا في قصره بنيويورك. بدأت الأضواء تتسلط عليه بعد رحلة إلى إفريقيا على متن طائرته الخاصة، التي ضمت بيل كلينتون، والممثل كيفن سبيسي، والكوميدي كريس تاكر. بدأت الصحافة تتساءل: كيف جمع إبستين كل هذه الثروة؟

غيلين ماكسويل: الشريكة الأساسية في إدارة الشبكة

هنا تدخل على الخط شخصية محورية: غيلين ماكسويل. هي ابنة روبرت ماكسويل، الملياردير اليهودي الذي كان جاسوسًا لإسرائيل. بعد وفاة والدها وانهيار إمبراطوريته، انتقلت غيلين إلى مانهاتن، لتنتهي في علاقة مع جيفري إبستين نفسه. سرعان ما أصبحت غيلين المحور الأساسي في إدارة شبكته الإجرامية الواسعة، وكانت هي الشخص الذي عرفه على الأمير أندرو والعديد من السياسيين والمشاهير الآخرين.

أولى بوادر الفضيحة: تحقيق صحفي وتهديدات

في مارس 2003، قامت الصحفية فيكي وارد بكتابة تحقيق شامل عن جيفري إبستين في مجلة “فانيتي فير”. أوضح التحقيق أن إبستين لم يكن مستثمرًا عبقريًا، بل جمع ثروته بشكل أساسي عن طريق الاحتيال. أثناء تحقيقها، التقت فيكي بشقيقتين زعمتا أن إبستين تحرش بهما جنسيًا في التسعينات، وكانت إحداهما قاصرة. ورغم أنهما أبلغتا الشرطة، لم يحدث أي شيء.

عندما حاولت فيكي تضمين قصة الشقيقتين في مقالتها، ظهر إبستين في مكتبها وهددها، طالبًا منها عدم نشر القصة. لم يكتف بذلك، بل أرسل في نفس الأسبوع قطة برأسها رصاصة إلى عتبة منزل رئيس تحرير المجلة لترهيبه. ونجح في ذلك، حيث لم تُنشر القصة في المقال.

قناع العلم والاهتمامات المظلمة

شعر إبستين أن سمعته بحاجة إلى تلميع. بدأ بالتبرع بملايين الدولارات للجامعات والعلماء، محاولاً أن يصور نفسه على أنه من رعاة العلم. لكن في الحقيقة، كانت هذه مجرد محاولات لكسب ولاء أشخاص يمكن أن يدافعوا عنه عند الحاجة.

لم يتزوج إبستين أبدًا، لكن اهتمامه بالفتيات القاصرات كان واضحًا أمام شركائه وأصدقائه. ذكر عالم الفيزياء الكندي لورانس كراوس أن إبستين كان دائمًا محاطًا بفتيات تتراوح أعمارهن بين 13 و 19 عامًا. حتى دونالد ترامب ذكر في عام 2002 أن إبستين “يحب النساء الجميلات، والكثير منهن يافعات”.

السقوط الأول: اعتقال واتفاق تسوية مثير للجدل

في عام 2005، تلقت شرطة بالم بيتش في فلوريدا مكالمة من امرأة مجهولة تبلغ عن أن ابنتها البالغة من العمر 14 عامًا قد دُفع لها من قبل إبستين للتعري وتقديم “مساج” له، وأنه تحرش بها. بدأت الشرطة المحلية تحقيقًا سريًا استمر لمدة عام كامل، أجروا خلاله مقابلات مع عشرات الضحايا. وجدوا كاميرات خفية في منزله وصورًا لفتيات قاصرات، بالإضافة إلى أدلة على أنه كان يتم إحضار فتيات من البرازيل وأوروبا.

في يوليو 2008، بعد 13 شهرًا من التحقيقات، تم اعتقال جيفري إبستين بتهمة التحرش بقاصرات. لكن ما حدث بعد ذلك كان صادمًا. حُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا فقط. لم يكن سجينًا عاديًا؛ سُمح له بمغادرة السجن لمدة 12 ساعة يوميًا للعمل، وهو أمر غير قانوني. خرج من السجن بعد 13 شهرًا فقط بسبب “حسن السلوك”، وسُجل كمتحرش جنسي.

العودة إلى القمة: علاقات مستمرة رغم السوابق

عاد إبستين إلى عالمه وكأن شيئًا لم يكن. لم تتأثر سمعته، بل ربما تحسنت. دافع عنه بعض أصدقائه علنًا، واستمرت أعماله كالمعتاد. في عام 2015، استثمر في شركة إسرائيلية ناشئة تابعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي كان يزوره بانتظام. كما استمرت علاقته مع بيل غيتس بعد خروجه من السجن، حيث سافر غيتس معه على متن طائرته الخاصة عدة مرات. عندما سُئل غيتس عن علاقته بإبستين، قال إنه “نادم” لمعرفته، لكنه لم يقدم تفسيرًا منطقيًا لاستمرار العلاقة رغم سوابق إبستين.

“انحراف العدالة”: المقالة التي أشعلت النار

في عام 2018، نشرت صحيفة “ميامي هيرالد” مقالة بعنوان “انحراف العدالة” (Perversion of Justice) بقلم الصحفية جولي براون. كانت هذه المقالة نتاج سنوات من التحقيقات، وهي التي أشعلت النار مجددًا على قضية إبستين وتاريخه وارتباطاته. كشفت المقالة بعمق كيف أن النظام القضائي كان يعمل على حماية إبستين وإفلاته من العقاب في كل مرة. وثقت براون أكثر من 80 ضحية محتملة، تتراوح أعمارهن بين 13 و 17 عامًا.

أدت المقالة إلى إعادة فتح القضية، مع التركيز على دور ألكسندر أكوستا، المحامي الحكومي الذي عقد اتفاقية “عدم الملاحقة القضائية” المثيرة للجدل مع إبستين في عام 2008.

الاعتقال الأخير وجزيرة الرعب

هذه المرة، لم يستطع إبستين الإفلات. في 6 يوليو 2019، ألقى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) القبض عليه في مطار بنيو جيرسي. قاموا بتفتيش منزله في مانهاتن، حيث وجدوا آلاف الأدلة التي تشير إلى تورطه في شبكة اتجار بالبشر والتحرش الجنسي.

أما جزيرته الخاصة في البحر الكاريبي، التي اشتراها في التسعينات، فقد كانت مركز عملياته الإجرامية. كان السكان المحليون يطلقون عليها اسم “جزيرة البيدوفيليا”. كانت طائرته الخاصة تنقل الفتيات القاصرات من وإلى الجزيرة، حيث كان يتجمع السياسيون والمشاهير ورجال الأعمال. كان إبستين يدفع بسخاء لإسكات الناس وجعلهم يغضون البصر عما يحدث. شخصيات مثل بيل كلينتون، وستيفن هوكينغ، والأمير أندرو، وأسماء أخرى كبيرة، جميعهم زاروا تلك الجزيرة المحاطة بالغموض.

نهاية غامضة وأسئلة بلا إجابات

انفجرت قصة إبستين في كل مكان. ولكن، قبل أن تبدأ محاكمته، وفي 10 أغسطس 2019، وُجد جيفري إبستين منتحرًا في زنزانته بعد خمسة أسابيع فقط من القبض عليه.

بعد وفاته، تخلى الأمير أندرو عن ألقابه الملكية. تم القبض على مساعديه، بينما انتحر آخرون. أما عشيقته وشريكته في الجرائم، غيلين ماكسويل، فقد أُلقي القبض عليها وحُكم عليها بالسجن لمدة 20 عامًا.

ظهر مصطلح “قائمة إبستين”، وهي عبارة عن معلومات وأدلة وأسماء لأشخاص متورطين معه، تحتفظ بها الحكومة الأمريكية وترفض نشرها بالكامل. يُعتقد أن اسم دونالد ترامب، الذي دافع عنه سابقًا، من بين الأسماء البارزة في هذه القائمة.

مع دفن إبستين، دُفنت معه قضية كان من المفترض أن تكشف كل شيء. لكن الرأي العام لم يهدأ، وما زال يطالب بالحقيقة. لقد خلق موت جيفري إبستين أسئلة أكثر من الإجابات: هل انتحر حقًا؟ أين بقية المتورطين؟

والأسوأ من كل هذا، أن إبستين لم يكن سوى قمة جبل الجليد. هناك المئات، وربما الآلاف، ممن يشبهونه، بل وأسوأ منه، يعيشون بيننا اليوم، ويفعلون ما يشاؤون وقتما يشاؤون. لقد أظهرت لنا قصة إبستين أن هذا الفساد لا يقتصر على دولة واحدة، فالكل مرتبط بالكل. النظام الذي مكّن ودعم إبستين لم يختفِ، بل ما زال قائمًا. نحن فقط لا نراه بأعيننا.

Support Content Creators

هل ألهمك هذا المقال؟

ادعم الكاتب لتقديم المزيد من المحتوى الإبداعي. صوتك يساهم في إيصال المعرفة.

👤 👤 + جاري التحميل...