في يوم السبت، 10 أغسطس 2019، وتحديدًا في سجن متروبوليتان الفيدرالي بمدينة مانهاتن الأمريكية، كان أحد حراس السجن يقوم بجولته الروتينية لتفقد المساجين. فجأة، بينما كان يمر بجوار الزنزانة رقم 24، لمح المسجون ملقى على الأرض بجانب السرير في وضعية غريبة. فتح الحارس باب الزنزانة مسرعًا، وحاول إيقاظه، لكن دون جدوى. لم يكن هناك أي حركة أو نفس. في غضون ثوانٍ، أبلغ إدارة السجن. وعندما وصل طبيب السجن وكشف عليه، نطق بكلمة واحدة: “السجين مات”.
تجمد الواقفون في أماكنهم، يتبادلون نظرات حائرة، عاجزين عن الكلام. فالرجل الذي مات لم يكن سجينًا عاديًا، بل كان صاحب أشهر قضية رأي عام في أمريكا، قضية هزت العالم بأسره: أبشع قضية استغلال أطفال واتجار بالبشر في القرن الحادي والعشرين.
سلسلة من الوفيات الغامضة
الأمر الغريب والمرعب هو أن هذا الرجل لم يكن الوحيد الذي يموت في ظروف غامضة ضمن المتورطين في القضية. كل من فكر في الكلام، أو حتى أبدى نية للكشف عن أسرار، كان يلقى حتفه.
- جان لوك برونيل: وكيل عارضات أزياء فرنسي متورط مع إبستين، وُجد مشنوقًا في زنزانته عام 2022.
- ستيفن هوفنبرج: شريك مالي لإبستين، عُثر على جثته متحللة في شقته عام 2022.
- فيرجينيا جيوفري: الشاهدة الرئيسية التي فجرت القضية، وُجدت منتحرة في بيتها بأستراليا عام 2025.
هذه الأحداث أثارت تساؤلات لا حصر لها، أهمها: من هو جيفري إبستين؟ هل انتحر حقًا، أم كان لا بد من إسكاته؟ وكيف تحول من مجرد مدرس في مدرسة إعدادية إلى واحد من أثرى أثرياء الولايات المتحدة؟ وكيف نسج شبكة علاقات مع أقوى الشخصيات في العالم، بمن فيهم رؤساء أمريكا أنفسهم؟ وما علاقة دونالد ترامب بكل هذا؟
البدايات: من الفقر إلى الذكاء الفائق
بدأت الحكاية في 20 يناير 1953، في حي بروكلين بنيويورك، حيث وُلد جيفري إدوارد سيمور إبستين لأسرة يهودية فقيرة. كان والده عامل نظافة في الحدائق العامة، ووالدته مساعدة في مدرسة ابتدائية. منذ صغره، أظهر جيفري موهبة في عزف البيانو وذكاءً استثنائيًا في الرياضيات. استغل هذا الذكاء ليعطي دروسًا خصوصية لزملائه مقابل أجر.
كان نبوغه لافتًا لدرجة أنه تخطى عامين دراسيين في المرحلة الثانوية، وتخرج في عمر السادسة عشرة. التحق بجامعة “كوبر يونيون” لدراسة الرياضيات المتقدمة، ثم انتقل إلى معهد “كورانت للعلوم الرياضية”. ولكن، بشكل مفاجئ وقبل تخرجه بعام واحد، قرر ترك التعليم الجامعي بالكامل دون الحصول على أي شهادة.
نقطة التحول: من التدريس إلى وول ستريت
بعد تركه للدراسة، التقى إبستين بـ “دونالد بار”، مدير مدرسة “دالتون” الراقية في مانهاتن. على الرغم من عدم امتلاكه شهادة جامعية، عينه بار مدرسًا للرياضيات والفيزياء. حقق إبستين نجاحًا باهرًا، وأصبح الطلاب يتهافتون على دروسه الخصوصية.
من بين هؤلاء الطلاب كان أبناء “آلان غرينبيرغ”، الرئيس التنفيذي لشركة “بير ستيرنز”، إحدى أكبر شركات تداول الأوراق المالية. كان غرينبيرغ معجبًا بذكاء إبستين. لكن سرعان ما ظهرت مشكلة أخرى، حيث بدأت الشكاوى تتزايد من الطالبات حول سلوك إبستين غير المنضبط وتصرفاته المريبة، مثل محاولاته التسلل إلى غرف تغيير الملابس. لتجنب الفضيحة، فصلته الإدارة بحجة “ضعف الأداء”.
بعد فصله، لم يتركه غرينبيرغ، بل قام بتدريبه على أعمال البورصة وعينه في شركته “بير ستيرنز” بوظيفة مساعد متداول في نهاية عام 1976. خلال أربع سنوات فقط، تحول إبستين من موظف مبتدئ إلى شريك محدود في الشركة، بفضل قدرته على بناء علاقات قوية مع أغنى العملاء.
لكن نجاحه السريع أثار الشكوك. كيف لموظف بلا خبرة سابقة أن يحقق نجاحًا كهذا دون اتخاذ قرار خاطئ واحد؟ قدم زملاؤه شكاوى ضده يتهمونه بالتلاعب ببيانات البورصة. وقبل أن يبدأ التحقيق الرسمي، قدم إبستين استقالته، قائلاً: “لن أعمل معكم”.
عالم الأموال المظلمة
في منتصف عام 1981، أسس إبستين شركته الخاصة، وكان نشاطها غريبًا: استعادة الأموال المسروقة من الحكومات والأثرياء. برع فيما يُعرف بـ “الأموال المظلمة” (Dark Money)، وأصبح خبيرًا في غسيل الأموال وإخفاء مصادرها، لدرجة يستحيل معها تتبعها. كان من بين عملائه رجل الأعمال الشهير عدنان خاشقجي.
في عام 1987، ظهر في طريقه رجل أعمال يهودي آخر، “ستيفن هوفنبرج”، صاحب شركة تحصيل ديون. عمل إبستين مستشارًا ماليًا له، وتسببا معًا في واحدة من أكبر الفضائح المالية في تاريخ أمريكا، والمعروفة بـ “مخطط بونزي”. كانا يجمعان الأموال من المستثمرين الجدد لسداد أرباح المستثمرين القدامى، دون وجود أي استثمارات حقيقية. نهبوا ما يقرب من 600 مليون دولار. وفي ذروة نجاح شركتهم المزيفة، قفز إبستين من السفينة وأنهى تعاقده معهم.
إدارة ثروات المليارديرات: مفتاح السلطة
بالأموال التي جناها، أسس شركة جديدة باسم “جي. إبستين وشركاه”، وكان نشاطها أكثر غرابة: “إدارة ثروات المليارديرات”. أول عميل له كان “ليزلي ويكسنر”، رجل أعمال يهودي يمتلك أشهر العلامات التجارية العالمية مثل “فيكتوريا سيكريت” و”باث آند بودي وركس”.
لم يقتصر الأمر على تحقيق أرباح هائلة، بل وصلت ثقة ويكسنر بإبستين إلى درجة أنه منحه توكيلًا رسميًا كاملًا للتصرف في جميع أمواله، التي قدرت آنذاك بـ 6 مليارات دولار. كيف حدث ذلك؟ لم تكن ثقة، بل كانت “كسرة عين”. كان إبستين بارعًا في استغلال نقاط ضعف الآخرين، وكانت متطلبات ويكسنر، الذي كان على مشارف الستين، منحرفة. كان إبستين هو من يلبي له هذه المتطلبات، مستغلاً الفتيات اللاتي كن يتقدمن للعمل كعارضات أزياء في “فيكتوريا سيكريت”.
كانت هذه الأفعال تتم داخل قصر يملكه ويكسنر في نيويورك. والمفاجأة أن ويكسنر باع هذا القصر، الذي تبلغ قيمته 78 مليون دولار، لإبستين مقابل دولار واحد فقط! بالإضافة إلى ذلك، جنى إبستين ثروة شخصية بلغت 400 مليون دولار من هذه العلاقة.
الشريكة الرئيسية: غيلاين ماكسويل
في نوفمبر 1991، توفي رجل الأعمال اليهودي وبارون الصحافة البريطاني “روبرت ماكسويل” في حادث غامض. بعد وفاته، اكتشفت عائلته أن ثروته البالغة 2 مليار دولار قد اختفت، وأنها مرهونة لبنوك تابعة لتل أبيب. في حفل تكريم أقيم له، حضرت ابنته “غيلاين ماكسويل” لتسلم درع التكريم. هنا، تقرب منها إبستين، ووعد بمساعدتها في أزمتها المالية.
سرعان ما أصبحت غيلاين صديقته وعشيقته، والعقل المدبر الذي يخطط له. كانت جواز سفره إلى “صفوة المجتمع”، مستغلة شبكة علاقات والدها الواسعة. نصحته بأن باب “التبرعات” هو أسرع طريق للوصول إلى القمة.
مشروع الاستنساخ البشري والوصول للسياسيين
أطلق إبستين حملة تبرعات سخية للجامعات ومراكز البحث العلمي، لكنه كان يستهدف مجالات معينة: علوم الأعصاب، الذكاء الاصطناعي، نظرية التطور، والفيزياء النظرية. أما مشروعه الأخطر، فكان “استنساخ الجينات البشرية”. كان مهووسًا بفكرة أن جينات الشخصيات الفريدة، مثله، لا يجب أن تكون نادرة. خطط لاستخلاص جيناته وجينات رجال أعمال أثرياء آخرين، وزرعها في نساء لإنتاج نسخ منهم. لكن المشروع لم يكتمل بعد القبض عليه.
بفضل غيلاين، فتحت له أبواب السياسيين الكبار. أصبح من أكبر المتبرعين لحملات بيل كلينتون الانتخابية، وشوهد كلينتون معه على طائرته الخاصة أكثر من مرة. كما تعرف على دونالد ترامب، واستمرت صداقتهما من عام 1992 إلى 2004. حضر ترامب حفلات عديدة نظمها إبستين، بما في ذلك حفلة خاصة في منتجع “مار-أ-لاغو” ضمت 30 فتاة، وحفلة أخرى كانت عبارة عن مسابقة “فتاة التقويم” شاركت فيها 20 فتاة بملابس فاضحة. انتهت صداقتهما بعد خلاف على مزاد عقاري فاز به ترامب.
الجزيرة الملعونة: مركز العمليات
في عام 2002، حاولت الصحفية “فيكي وارد” إجراء تحقيق صحفي عن إبستين. أثناء تحقيقها، التقت بفتاة تدعى “ماريا فارمر”، التي كشفت عن تعرضها هي وأختها (14 عامًا) لاعتداء من إبستين. عندما واجهت الصحفية إبستين، أنكر كل شيء وطردها. ثم اتصل بها وهددها قائلاً: “خدي بالك من نفسك عشان ولادتك تكمل على خير”. لم يُنشر تحقيقها، بل نُشر مقال يمدح إبستين في نفس المساحة.
بعد هذه الحادثة، اشترى إبستين جزيرة في وسط البحر أطلق عليها اسم “سانت ليتل جيمس”، والتي عُرفت لاحقًا بـ “جزيرة إبستين الملعونة”. كانت الجزيرة بمثابة جحيم على الأرض، حيث كانت تُرتكب فيها كل الموبقات. بُني عليها قصر ضخم، وكانت كل زاوية فيه مراقبة بكاميرات سرية، خاصة غرف النوم والمساج والحمامات. كان هناك أيضًا مبنى غامض بقبة ذهبية، يُقال إنه كان يمارس فيه طقوسًا غريبة، وكان الدخول إليه مقتصرًا عليه وعلى غيلاين فقط.
السقوط والصفقة الغامضة
في مارس 2005، تلقت شرطة “بالم بيتش” بلاغًا من أم مرعوبة بأن ابنة زوجها (14 عامًا) تعرضت لاعتداء بعد أن استدرجتها زميلتها إلى قصر إبستين بحجة جلسة مساج مقابل 200 دولار. بدأ الضابط “مايكل رايتر” التحقيق، ولاحظ حركة مستمرة لفتيات قاصرات يدخلن ويخرجن من القصر. ربط هذا البلاغ ببلاغات قديمة، وجمع شهادات من 33 فتاة قاصر، كلهن تعرضن لنفس السيناريو.
تم القبض على إبستين، وعندما اقتحمت الشرطة قصره، وجدوه أشبه بـ “معبد الشيطان”، حيث كانت الجدران مغطاة بصور فاضحة لفتيات. لكن بعد ساعات قليلة في المحكمة، خرج بكفالة 3000 دولار فقط، وسافر مباشرة إلى إسرائيل.
هناك، تم عقد صفقة غريبة، حيث اعترف إبستين بتجنيد فتاة قاصر مقابل حكم بالسجن 18 شهرًا، يُسمح له خلالها بالخروج 12 ساعة يوميًا. لم يكمل مدته، بل قضى 13 شهرًا فقط. والأخطر من ذلك، تضمنت الصفقة بندًا سريًا يمنحه حصانة قضائية مستقبلية من أي ملاحقة، له ولأي شخص آخر قد يرد اسمه في القضية. اختفت جميع الأدلة بعد ذلك.
النهاية: انتحار أم تصفية؟
في عام 2018، أعادت الصحفية “جولي براون” فتح القضية بسلسلة تحقيقات بعنوان “انحراف العدالة”. كشفت عن شهادات 80 ضحية جديدة، وعن الاتفاق السري غير الدستوري. أحدثت تحقيقاتها زلزالاً في أمريكا، وطالب الكونغرس بفتح تحقيق جديد.
تم القبض على إبستين مرة أخرى عند عودته من باريس. هذه المرة، كانت الأدلة دامغة. عُثر في منزله على سجلات وأقراص مدمجة وصور، بما في ذلك أسماء شخصيات بارزة مثل دونالد ترامب والأمير أندرو، ولي عهد بريطانيا، الذي اضطر لدفع 13 مليون دولار لتسوية قضية رفعتها إحدى الضحايا ضده.
أُودع إبستين سجن متروبوليتان تحت حراسة مشددة. لكن بعد 17 يومًا فقط، أُعلن عن انتحاره. الأدلة تشير إلى عكس ذلك:
- تم نقل زميله في الزنزانة قبل وفاته بيوم واحد، رغم توصية الطبيب النفسي بعدم تركه بمفرده.
- لم يتم تفقده لمدة 8 ساعات متواصلة، خلافًا للتعليمات التي تقضي بتفقده كل نصف ساعة.
- تم سحب الحراس من طابقه عمدًا بعد افتعال مشكلة في السجن.
- أظهرت تسجيلات الكاميرات انقطاعًا لمدة ثلاث دقائق في وقت وفاته، وبررت وزارة العدل ذلك بـ “عطل فني”.
أكد تقرير طبيب شرعي مستقل استعان به شقيق إبستين أن الوفاة كانت نتيجة “قتل عمد” وليس انتحارًا. لكن التقرير تم تجاهله. والمفاجأة الأكبر كانت أن إبستين قد أوصى بكل ثروته لجمعيات خيرية يهودية في تل أبيب، مما حرم الضحايا من أي تعويض. أما غيلاين ماكسويل، فقد اختفت لمدة عام قبل أن يتم القبض عليها والحكم عليها بالسجن 20 عامًا.
القضية لم تمت بموت إبستين، بل أصبحت أداة ابتزاز سياسي واضحة، حيث تُستخدم “القائمة السوداء” لتهديد شخصيات نافذة، مما يضمن بقاء الأسرار مدفونة إلى الأبد.