في خضم السردية المعقدة لقضية جيفري إبستين، يبرز اسم واحد كشخصية فريدة رفضت بشكل قاطع الدخول إلى عالمه المظلم. هذا الشخص هو الأكاديمي اليهودي المعروف، نورمان فينكلشتاين، الذي قال لإبستين “لا، أنت لا تلزمني”.
الرفض القاطع: رسالة فينكلشتاين إلى إبستين
نورمان فينكلشتاين، الأكاديمي اليهودي المعروف بمناهضته الصريحة لإسرائيل والصهيونية، وجد نفسه هدفًا لمحاولات تجنيد من قبل جيفري إبستين في عام 2015. تمت محاولة التواصل عبر وسيط أكاديمي مشترك، وهو عالم الأحياء روبرت تريفرز، الأستاذ في جامعة روجرز الأمريكية. كان تريفرز على اتصال مباشر مع إبستين وحاول أن يقدمه لفينكلشتاين في صورة إيجابية. تثبت المراسلات أن المبادرة جاءت من طرف إبستين، وليس من فينكلشتاين.
جاء رد نورمان حادًا وقاطعًا. أرسل بريدًا إلكترونيًا غاضبًا، لم يوجهه للوسيط فقط، بل أضاف إبستين نفسه وآلان ديرشويتز، محامي إبستين الذي كشفت الملفات الأخيرة عن عمله مع الموساد الإسرائيلي. في رسالته، اتهم فينكلشتاين كلًا من إبستين وديرشويتز صراحةً بالاعتداء الجنسي على قاصرات. وصف ديرشويتز بأنه “يدافع عن مجرم جنسي متورط أخلاقيًا وقانونيًا”، وأضاف أن تريفرز يجب أن “يخجل من نفسه” للدفاع عن شخصيات متورطة في جرائم جنسية.
كانت لغة الرسالة قاسية، غير قابلة للمساومة، وتضمنت رفضًا مطلقًا لأي شكل من أشكال التواصل مع الملياردير الأمريكي. على الرغم من أن فينكلشتاين كان يمر في تلك الفترة بظروف شخصية ومهنية صعبة وكان بحاجة إلى الدعم، إلا أن موقفه الأخلاقي كان صارمًا. هذا الرد جعله، في نظر الكثيرين، الشخص الوحيد الذي خرج نظيفًا من هذه الفضيحة.
ظهرت هذه الرسالة ضمن وثائق رسمية أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، لتكشف عن موقف رجل يقف خارج أي شبكة مصالح أو علاقات نفوذ. كان فينكلشتاين هو الاسم الوحيد الذي واجه إبستين مباشرة وبكل حدة، متخذًا موقفًا سبق انكشاف الفضيحة بسنوات طويلة.
منظومة عالمية من الانحطاط
لماذا نركز على هذا النموذج تحديدًا؟ السبب بسيط: قصة إبستين لم تكن قصة فرد واحد، بل كانت قصة منظومة كاملة كانت تحكم العالم، ولا تزال. هذه المنظومة تتسم بالخصائص التالية:
- منظومة منحطة وحيوانية: لا تمت للإنسانية بصلة، حيث تعتدي على الأطفال والقاصرات وتتاجر بهم. الشهادات التي ظهرت على مدى السنوات الماضية ترسم صورة لنخبة غربية فاقدة للأخلاق والشرف.
- نخبة غير محتاجة: لم يكن دافع هذه النخبة هو الحاجة للمال أو الجنس. كانوا من أغنى أغنياء العالم وأكثرهم نفوذًا. هذا يجعل أفعالهم أكثر انحطاطًا.
- النخبة الحاكمة: هذه الشبكة ضمت أمراء، وبنات ملوك، ورؤساء، ووزراء، ورجال أعمال، وأصحاب شركات كبرى يتحكمون في الاقتصاد والبورصة وتجارة السلاح. كانوا نخبة النخب.
تكشف الملفات أيضًا عن طقوس ومعتقدات غريبة لهذه المجموعة، بما في ذلك اهتمامهم بـ “كسوة الكعبة” لأسباب غامضة، وإيمانهم بتفوق عرقي معين. كما تظهر الملفات كيف استخدم إبستين شبكته للتجسس وتصوير جميع زواره، وكيف تورط الموساد الإسرائيلي في عملياته. في بريد إلكتروني يعود لعام 2014، يصف إبستين للملياردير الصهيوني بيتر ثيل كيف أن الفوضى في مصر، والعراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وإيران، وليبيا تخدم مصالح إسرائيل، وهي الفوضى التي بدأت بالفعل في تلك الفترة.
لماذا يعتبر موقف فينكلشتاين فريدًا؟
في ظل هذا العالم المظلم، قرر شخص واحد أن يقول “لا”. قرر أن يصفهم بما هم عليه: “مقززون ومقرفون”. قد يتساءل البعض لماذا كان رد فعله بهذه القوة، بينما لم تتم إدانة إبستين النهائية إلا لاحقًا. الحقيقة أن إبستين كان مدانًا بالفعل منذ عام 2008 في صفقة قضائية مشبوهة في فلوريدا، أشرف عليها المدعي العام ألكسندر أكوستا. كشفت الإيميلات أن آلان ديرشويتز تدخل لإيقاف التحقيق قائلًا إن إبستين “يعمل لصالح المخابرات”، وتحديدًا السي آي إيه والموساد.
لذلك، كان الناس على دراية بشخصية إبستين الحقيقية منذ ذلك الحين. عندما يأتي أكاديمي، سواء كان يهوديًا أو مسلمًا أو مسيحيًا، ويرفض التعامل مع شخص كان ملوك ورؤساء العالم يأكلون ويشربون وينامون في جزيرته، فهذا موقف يستحق أن يسلط عليه الضوء. في خضم هذا الكم الهائل من النجاسة، خرج شخص واحد نظيفًا ومحترمًا.
خيانة في الحكومة البريطانية: مثال صارخ على الفساد
لنوضح حجم النزاهة في موقف فينكلشتاين، دعونا نلقي نظرة على قصة السياسي البريطاني الشهير بيتر ماندلسون. كان ماندلسون، رجل الظل القوي في حزب العمال والعقل المدبر لتوني بلير، وزيرًا في حكومته. استقال عام 1998 بسبب قرض غامض، ثم استقال مرة أخرى عام 2000 لمساعدته رجل أعمال هندي في الحصول على جواز سفر بريطاني.
لاحقًا، عاد وزيرًا في حكومة جوردون براون خلال الأزمة المالية العالمية. هنا تكشف الإيميلات الأخيرة عن خيانة عظمى. قام ماندلسون بتسريب بريد إلكتروني رسمي من مستشارة رئيس الحكومة إلى رئيس الحكومة نفسه، وأرسله إلى جيفري إبستين. البريد كان يحتوي على أسرار دولة خطيرة حول نية الحكومة البريطانية بيع أصول وأراضٍ لتسديد الديون قبل الانتخابات.
كان إبستين يدفع راتبًا شهريًا لشريك ماندلسون. عندما يصل الفساد والانحطاط الأخلاقي إلى هذا المستوى داخل الحكومات، ثم يأتي أكاديمي محتاج للمال ويرفض عرضًا من ملياردير مثل إبستين، فإن هذا يثبت أنه لا يزال هناك من يقف في وجه هذا العبث وهذا القدر من السقوط الأخلاقي.