قد يكون جيفري إبستين هو الشخصية الأكثر شرًا التي قد تقرأ عنها في حياتك. الجرائم التي ارتكبها، والأسماء المرتبطة بها، هي أسماء لم يكن أحد ليتوقع تورطها في مثل هذه الفظائع، لكنها الحقيقة المثبتة أمام المحاكم الأمريكية. كان هذا الرجل مليارديرًا صاحب قوة ونفوذ ومعارف مخيفة، وجريمته الأساسية التي ارتكبها هو وشركاؤه كانت الاعتداء الممنهج على فتيات وقصّر، حيث يُقدر عدد الضحايا بالآلاف.
في الآونة الأخيرة، عاد اسم إبستين ليتصدر الأخبار عالميًا مع الكشف عن ملفات قضائية جديدة تفضح المزيد من شركائه. في هذا المقال، سنغوص في حياة هذا الرجل، من ولادته إلى كيفية تكوينه لثروته، ومن تورط معه في جرائمه، وكيف بدأت شبكته الإجرامية ولماذا يعتبر شخصية غامضة ومفهومة في آن واحد.
من مدرس رياضيات إلى وول ستريت
وُلد جفري إبستين عام 1953 في بروكلين، نيويورك. كان طفلاً ذكيًا، لدرجة أنه تخرج من المدرسة الثانوية مبكرًا بعامين والتحق بجامعة نيويورك، لكنه لم يكمل دراسته. لاحقًا، عمل مدرسًا للرياضيات في إحدى أرقى المدارس الخاصة في أمريكا. ورغم ذكائه، كان وضعه المادي متواضعًا. فكيف تحول من مدرس بسيط إلى رجل يمتلك جزيرة خاصة، ومنازل فارهة في أكبر مدن العالم؟
فترة تدريسه في تلك المدرسة كانت نقطة التحول. هناك، تعرف على شخصيات ذات نفوذ هائل. في أحد اجتماعات أولياء الأمور، التقى بـ “آلن جرينبرج”، الذي كان مديرًا في واحدة من أكبر شركات الاستثمار في وول ستريت. رأى جرينبرج في إبستين الشاب الذكي والطموح الذي يذكره بنفسه في صغره، وقرر توظيفه على الفور، رغم أن إبستين اعترف بأنه لا يعرف شيئًا عن الأسهم أو عالم المال.
في عام 1976، بدأ إبستين العمل، وخلال عامين فقط، أصبح شريكًا في الشركة وهو في سن الخامسة والعشرين. تطور بسرعة وأدار حسابات لعملاء أثرياء جدًا، واشترى أول منزل له في مانهاتن. لكن هذا النجاح لم يدم. اكتشف زملاؤه أنه كذب بشأن مؤهلاته، بالإضافة إلى سلوكه غير اللائق مع الموظفات. وجد نفسه في موقف حرج، فقدم استقالته وحصل على مكافأة قدرها 100 ألف دولار. من هنا، بدأ في بناء إمبراطوريته المريضة.
الشراكة مع ليزلي وكسنر: مفتاح الثروة والنفوذ
الخطوة التالية كانت تعرّفه على “ليزلي وكسنر”، الملياردير الذي يمكن اعتباره “الأب الروحي” لثروة إبستين. تبلغ ثروة وكسنر الصافية 6 مليارات دولار، وهو مؤسس علامات تجارية شهيرة مثل “Bath & Body Works” و”Victoria’s Secret”. تعرف عليه إبستين ليدير شؤونه المالية. وبفضل ذكائه وقدرته على الإقناع، وثق به وكسنر ثقة عمياء.
هذه الثقة وصلت إلى حد أن وكسنر وقع لإبستين “وكالة كاملة” على جميع ممتلكاته التي تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار. الوكالة الكاملة تعني أن إبستين أصبح يملك صلاحيات مطلقة للتصرف في كل شيء يملكه وكسنر، كأنه هو المالك الأصلي.
استغل إبستين هذه الوكالة ليسرق مئات الملايين من الدولارات على مدى 16 عامًا. أشهر ممتلكاته، وهو قصر في نيويورك بقيمة 78 مليون دولار، حصل عليه من وكسنر مقابل صفر دولار. لكن الأسوأ من سرقة الأموال هو أن هذه العلاقة منحت إبستين مصداقية هائلة. ارتبط اسمه بإمبراطورية وكسنر، وأصبح له اسم لامع بين النخبة، وهو ما استغله لبدء جرائمه المنظمة.
أصبح قصره المسروق مكانًا لاختيار عارضات “فيكتوريا سيكريت”، حيث كان يستغل الفتيات اللواتي يحلمن بالشهرة بطرق مروعة. لم تكن الضحايا فقط من العارضات البالغات، بل شملت فتيات قاصرات تحت سن 18 عامًا، كن يطمحن لدخول عالم عرض الأزياء.
جلين ماكسويل: الشريكة في الجريمة
لفهم شبكة إبستين، يجب أن نتعرف على شريكته، جلين ماكسويل. هي ابنة روبرت ماكسويل، الملياردير الإعلامي الذي كانت تقدر ثروته بملياري دولار. كانت جلين ابنته المفضلة، وكان يصطحبها إلى كل الحفلات والمناسبات، حيث تعرفت على أقوى الشخصيات في العالم، من عائلة كينيدي وكلينتون إلى العائلة المالكة في بريطانيا.
في عام 1991، اختفى والدها في ظروف غامضة من على يخته، وبعد وفاته، انكشفت فضائحه. تبين أنه كان يسرق أموال صناديق التقاعد لموظفيه، وتحولت ثروته من 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار من الديون. وجدت جلين نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهربت من لندن إلى نيويورك لتبدأ حياة جديدة.
في إحدى الحفلات، التقت بجيفري إبستين. كان هذا اللقاء بمثابة تأسيس لشراكة شيطانية. هو يملك المال ويبحث عن علاقات قوية، وهي تملك شبكة علاقات واسعة وتحتاج إلى المال لتعود إلى حياة الترف التي اعتادت عليها. أصبحا صديقين مقربين، وبدأت تعرفه على معارفها من النخبة.
شبكة العلاقات: رؤساء وأمراء في دائرة الاتهام
من خلال جلين، تعرف إبستين على شخصيات مثل دونالد ترامب، الذي أصبح صديقًا مقربًا له. كانا يظهران معًا في كل مكان. في إحدى الحفلات عام 1992، تم تصويرهما مع 28 عارضة أزياء. في مقابلة عام 2002، أشاد ترامب بإبستين ووصفه بأنه “رجل رائع” يحب “الفتيات الجميلات”، وأشار إلى أن الكثير منهن “يكنّ على الجانب الأصغر سنًا”. لاحقًا، بعد ترشحه للرئاسة، حاول ترامب التنصل من هذه الصداقة، لكن الأدلة كانت قوية. عُثر على أكثر من 14 رقم هاتف لترامب في “الكتاب الأسود” الخاص بإبستين، وهو دفتر كان يسجل فيه جميع معارفه.
لكن المثير للدهشة أنه رغم كل هذه الأدلة، لم يظهر اسم ترامب في قائمة المتورطين في جزيرة إبستين.
لم يكن ترامب الرئيس الأمريكي الوحيد في القصة. بيل كلينتون، الرئيس الأمريكي الأسبق، كان أيضًا من ضمن الدائرة المقربة. عُثر في أحد قصور إبستين على لوحة غريبة لكلينتون وهو يرتدي فستانًا، مما أثار شكوكًا حول عمليات ابتزاز محتملة. سُجل اسم كلينتون 20 مرة في “الكتاب الأسود”، كما أنه سافر على متن طائرات إبستين الخاصة 26 مرة. وشهدت إحدى الضحايا الرئيسيات، فيرجينيا روبرتس، بأنها رأته على جزيرة إبستين مع فتاتين صغيرتين. ورغم نفي كلينتون زيارته للجزيرة، فإن الأدلة تشير إلى تورط عميق.
السقوط الأول والعدالة المعطلة
في أواخر التسعينيات، بدأت الاتهامات تظهر. كانت ماريا فارمر أول من اتهم إبستين علنًا بجرائم مروعة ارتكبها ضدها حين كانت قاصرة. تبعتها شهادات أخرى، لكن نفوذ إبستين كان يحميه.
لاحقًا، اشترى إبستين جزيرة “ليتل سانت جيمز” ليخفي جرائمه بشكل أفضل. أصبحت هذه الجزيرة مسرحًا لحفلات ماجنة يحضرها الأغنياء والمشاهير وأصحاب السلطة.
في عام 2001، ظهرت ضحية أخرى، فيرجينيا روبرتس، التي كشفت أن جلين ماكسويل هي من جندتها. كانت فيرجينيا تعمل في منتجع يملكه دونالد ترامب، عندما عرضت عليها جلين العمل كمدلكة لرجل ثري مقابل 200 دولار. كان هذا الرجل هو إبستين. استغل حاجتها الماسة للمال، وحولها إلى موظفة لديه، بل وجعلها جزءًا من “تسويق هرمي” لتجنيد فتيات أخريات تتراوح أعمارهن بين 12 و16 عامًا.
لم تكن الضحايا يقدمن خدماتهن لإبستين فقط، بل كان “يشاركهن” مع أصدقائه النافذين. من بين هؤلاء كان الأمير أندرو، من العائلة المالكة البريطانية. شهدت فيرجينيا بأن إبستين أجبرها على إقامة علاقة معه حين كانت قاصرًا، وقدمت كدليل صورة تجمعها بالأمير وجلين ماكسويل. ورغم أن الأمير أندرو أنكر القصة في مقابلة كارثية مع “بي بي سي”، فإن صورته كانت دليلًا قاطعًا أفقده مصداقيته.
في عام 2006، تم القبض على إبستين أخيرًا بعد أن اعترفت فتاة صغيرة في إحدى المدارس بأنها تحصل على 300 دولار مقابل “مساج” لرجل غني. لكن بفضل نفوذه ومحاميه القوي، آلان ديرشوفيتز، حصل على صفقة مخففة بشكل فاضح: 18 شهرًا فقط في السجن، مع إذن بالخروج للعمل 12 ساعة يوميًا، ستة أيام في الأسبوع. تم الإفراج عنه بعد 13 شهرًا فقط لحسن السلوك. كانت هذه الصفقة وصمة عار في تاريخ القضاء الأمريكي، حيث تم حماية جميع شركائه من الملاحقة.
النهاية الغامضة: انتحار أم تصفية؟
بعد خروجه من السجن، حاول إبستين تحسين صورته بالظهور مع شخصيات بارزة مثل بيل جيتس ومارك زوكربيرج. لكن سقوطه النهائي كان قريبًا. عندما أصبح دونالد ترامب رئيسًا، قام بترقية المدعي العام الذي عقد الصفقة المخففة مع إبستين، مما أثار غضب الصحافة ودفعهم للتحقيق في تاريخه، لتنكشف تفاصيل الصفقة المشبوهة.
أُعيد فتح التحقيق في قضية إبستين. هذه المرة، هرب إلى باريس، لكن تم اعتقاله فور هبوط طائرته في أمريكا. فتشت السلطات قصوره وعثرت على أدلة مروعة. كان من الواضح أن هذه المرة لن يفلت من العقاب.
قبل محاكمته، قام بتحديث وصيته، ثم في 10 أغسطس 2019، وُجد ميتًا في زنزانته. الرواية الرسمية كانت “انتحار”، لكن الظروف كانت مريبة للغاية:
- كاميرات المراقبة خارج زنزانته كانت معطلة.
- الحارسان المسؤولان عن مراقبته ناما أثناء نوبتهما.
- تم نقل زميله في الزنزانة قبل ساعات من وفاته.
هل كان انتحارًا أم تصفية جسدية لإسكات رجل كان على وشك فضح أقوى الشخصيات في العالم؟ يبقى هذا السؤال بلا إجابة.
إرث إبستين: ما كشفته ملفات المحكمة
لم تنته القصة بموت إبستين. جاء دور شريكته جلين ماكسويل. بعد اختفائها لمدة عام، تم القبض عليها عام 2020، وبدأت محاكمتها عام 2021. حُكم عليها بالسجن 20 عامًا، لكن القضايا ضدها لا تزال مستمرة.
مؤخرًا، تم الكشف عن ملفات قضية فيرجينيا ضد جلين، والتي تضمنت أسماء صادمة:
- مايكل جاكسون: شهدت فيرجينيا بأنها رأته في منزل إبستين، لكنها لم تقدم له “مساج”.
- بيل كلينتون: ذُكر اسمه عشرات المرات، ونُقل عن إبستين قوله إن “كلينتون يحبهن صغيرات”.
- ستيفن هوكينج: ذُكر اسمه في سياق مثير للاشمئزاز، حيث قيل إنه زار الجزيرة لمشاهدة “أقزام عراة”.
- ليوناردو دي كابريو وبروس ويليس: ذُكرت أسماؤهما كأشخاص كان إبستين يتحدث معهم عبر الهاتف.
- آلان ديرشوفيتز: محامي إبستين، ورد اسمه في شهادات حول تورطه المباشر مع الفتيات. وعندما واجهه الإعلام، حاول تحويل الأنظار بمهاجمة المقاومة الفلسطينية.
كان هدف إبستين من تقديم الفتيات القاصرات لهؤلاء الأشخاص النافذين هو بناء شبكة علاقات متشعبة في عالم الأعمال والسياسة، والأهم من ذلك، امتلاك معلومات حساسة لابتزازهم.
تُظهر قصة جيفري إبستين كيف يمكن للمال والسلطة أن يفسدا النفوس ويدفعاها نحو رغبات مظلمة تتجاوز كل المعايير الإنسانية. كما تكشف عن مدى هشاشة أنظمة العدالة أمام النفوذ. السؤال الأكبر الذي يبقى هو: هل سنعرف يومًا الحقيقة الكاملة وراء هذه الشبكة الشيطانية؟ على الأغلب، ستبقى الكثير من الأسرار مدفونة إلى الأبد.